تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

191

هي هذه، وقد أبدع وصفها:

طليطلة فيها من الدير، ومن السجن، ومن القلعة، ومن الحرم الإسلامي، وذلك لأن العرب مروا بها.

نعم فيها من الدير لكثرة ما شاد الأسبانيول فيها من المعاهد الدينية تغطية لآثار العرب. وفيها من السجن لما يشاهد من الوثاقة والمتانة في مبانيها وفيها من القلعة لكثرة أسوارها ولمنعة مكانها الطبيعي وفيها من الحرم لأن بيوتها الأصلية هي بيوت عربية كسائر بيوت العرب في الدنيا.

وأعظم بنية في طليطلة هي الكنيسة الكبرى التي يقول لها المستعربون «القاعدة» وهي على اسم مريم العذراء عليها السلام، وفيها مذابح رومانية، ومذابح نصف عربية وهي في الحقيقة بيعة عظيمة بمنتهى الفخامة، تعد من الدرجة الأولى في كنائس العالم وموقعها بحذاء الأكمة التي عليها القصر

Alcazar .

ويقول المؤرخون عن تاريخ هذه الكنيسة أنه في زمن ريكارد القوطي تشيدت سنة 587 كنيسة باسم العذراء، لا تزال هناك كتابة تدل عليها وكان بجانبها دار أسقفية أقام بها القديسون أوجين، وإيلاد، وإيلد يفونس، ويليان. وفي سنة 712 ب.م. عندما فتح العرب طليطلة حولوا هذه الكنيسة إلى مسجد، وكان لهم المسجد الجامع

192 ، وبقي الأمر كذلك إلى سنة 1085 التي فيها استولى الأذفونش السادس على طليطلة صلحا بعد حصار طويل.

193

وكان المسلمون قد اشترطوا لأجل تسليم البلدة بقاء المسجد الجامع لهم ورضي الأذفونش بذلك. قال ابن بسام. لما توالت على أهل طليطلة الفتن المظلمة والحوادث المصطلمة وترادف عليهم البلاء والجلاء، واستباح الفرنج لعنهم الله تعالى، أموالهم وأرواحهم، كان من أعجب النوادر الدالة على الخذلان أن الحنطة كانت تقيم عندهم مخزونة خمسين سنة لا تتغير، ولا يؤثر فيها طول المدة بما يمنع من أكلها فلما كانت السنة التي استولى عليها العدو فيها، لم ترفع الغلة من الأندر حتى أسرع فيها الفساد. فعلم الناس أن ذلك بمشيئة الله تعالى، لأمر أراده، من شمول البلوى، وعموم الضراء، فاستولى العدو على طليطلة، وأنزل من بها على حكمه. وخرج ابن ذي النون منها على أقبح صورة وأفظع مسيرة، ورآه الناس وبيده اسطرلاب، يأخذ به وقتا يرحل فيه. فتعجب منه المسلمون، وضحك عليه الكافرون.

وبسط الكافر العدل على أهل المدينة، وحبب التنصر إلى عامة طغامها، فوجد المسلمون بذلك ما لا يطاق حمله، وشرع في تغيير الجامع كنيسة في ربيع الأول سنة ست وسبعين وأربعمائة.

ومما جرى في ذلك اليوم أن الشيخ الأستاذ المغامي رحمه الله تعالى صار إلى الجامع وصلى فيه، وأمر مريدا له بالقراءة، ووافاه الفرنج، لعنهم الله تعالى، وتكاثروا لتغيير القبلة، فما جسر أحد منهم على إزعاج الشيخ ولا معارضته، وعصمه الله تعالى منهم، إلى أن أكمل القراءة، وسجدة سجدة، ورفع رأسه وبكى على الجامع بكاء شديدا، وخرج ولم يعرض له أحد بمكروه. ا.ه.

قلنا إن الأسبان كانوا يعلمون أن تلك الساعة هي الساعة الأخيرة للجامع فصبروا على هذا الشيخ الجليل حتى أتمها بآخر عبادة إسلامية فيها.

وفي 11 أغسطس 1227 جعل ملك أسبانية، الذي يقولون له القديس فرديناند هذه البنية دكا، حتى يبتني مكانها بيعة على الطراز القوطي، الذي منه كنائس شمالي فرنسا، وجنوبي ألمانية، وانتدب المهندس الأفرنسي بطرس بتري، الذي بقي متوليا إدارة تشييدها مدة تزيد على خمسين سنة، وبعد وفاته عمل فيها مهندسون آخرون، أشهرهم رودريقه الفونسه، وجوان غواس، وألبير غومس، ومرتين شانجس وغيرهم، فالعمل فيه لم ينقطع مدة طويلة، وهي قائمة على خمسة صفوف من الأساطين وطولها 120 مترا وأربعون سنتيمترا، وعرضها 59 مترا و13 سنتيمترا وبناؤها من الحجر المحبب، إلا أن نقوشها الخارجية والداخلية هي في الحجر الكلسي، ولا يضارعها في أسبانية إلا كنيسة أشبيلية من بعض الوجوه. وكنيسة طليطلة أطول من كنيسة أشبيلية بعشرة أمتار إلا أن كنيسة أشبيلية أعلى بعشرة أمتار. ومزايا كنيسة طليطلة على كنيسة أشبيلية هي في تناسب الأقسام وبداعة الزخرف وتخريم المذبح الأعظم، حتى كأنه قطعة من العاج المخرم المرصع.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ١٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ١٣٠