تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلم يخطئ الذين قالوا إن طليطلة كانت واسطة التعارف بين الشرق والغرب، وإن العالمين الإسلامي والمسيحي قد تلاقيا فيها. وقال المسيو جوسه

P.Jousset

صاحب جغرافية أسبانية والبرتغال المصورة:

إن الرسوبات البشرية التي ثبتت في طليطلة، قد جعلت من هذه المدينة متحفا حقيقيا، لا متحفا كالمتاحف المعتادة، التي يجمع أصحابها فيها الآثار النادرة، جمعا مصطنعا حتى يأتي الناس ويطلعوا عليها، ولكنه متحف حقيقي أوجدته أعصر تبلغ عشرين قرنا، وكل منها ترك أثرا في طليطلة ومن زار أسبانية ولم يزر طليطلة فيعود كأنه لم يعرف أسبانية. فهي مدينة أصيلة ثابتة بارزة، ليس فيها شيء من المعتاد المألوف الذي ملته الأنفس، بل كل ما فيها جليل يهم الآثاري والمتفنن. وهي وحدها تستحق سياحة السائح إلى أسبانية. ومدخلها قنطرة ذات قوس واحد على نهر تاجه. وعلى هذه القنطرة برج مكتوب عليه أن النهر طغى، فهدم الجسر، فرممه الأذفونش، الملقب بالحكيم سنة 1252. ثم أكمل تجديده بريماط أسبانية المطران تينوريو

Tenorio

سنة 1380.

وكان هذا الجسر من زمان العرب، بل يظن أنه كان من قبلهم. وقد نقل «سلازار دو مندوسه»

Salazar de Mendoza

الكتابة العربية التي كانت ميزورة على الحجر في هذا الجسر: الله أكبر والصلاة والسلام على جميع من آمن بالله ورسوله محمد

186

ونقل الكونت دوموراه

de Mora

كتابة أخرى مدفونة في باطن الجسر هي هذه:

بنى هذا الجسر بأمر ملك طليطلة العظيم محمد سويد المجاشعي بطليطلة حرسها الله وانتهى سنة 204 للهجرة.

187

وجاء في نفح الطيب: وطليطلة قاعدة ملك القوطيين، وهي مطلة على نهر تاجه، وعليه كانت القنطرة التي يعجز الواصفون عن وصفها، وكانت على قوس واحدة: تكنفه فرجتان من كل جانب، وطول القنطرة ثلاثمائة باع، وعرضها ثمانون باعا، وخربت أيام الأمير محمد، لما عصى عليه أهلها، فغزاهم، واحتال في هدمها.»

قلنا: أما هذه القنطرة التي يعجز الواصفون عن وصفها فلا يمكن أن تكون القنطرة الحالية، لأن هذه ليست بهذه العظمة التي ذكروها، وإن كانت جليلة في ذاتها. وهذه ذات قوس كبيرة واحدة، مع أخرى صغيرة. وقد كانت القنطرة العربية في مكانها، ولكن الوادي عندما طغا ذهب بها، فرممها الأذفنش الملقب بالحكيم

188

ثم أن تنوريو الأسقف الأعظم برماط أسبانية، أكمل تجديد البناء كما مر.

وعلى هذه القنطرة برج مبني من سنة 1484، وتمثال للقديس «سان

189

إيلدفونس» وكتابة من زمن فيليب الثاني. وعلى الضفة اليسرى من نهر تاجه بقايا حصن سان «سرفنده» أو شربند، كما يقول العرب والفئة المستعربة من الأسبانيول. وهو حصن كان بناه على ذلك الجبل الأذفونش السادس، فاتح طليطلة، الذي في أيامه بدأ انهيار دولة الإسلام في الأندلس. ومن جسر طليطلة إلى محطة السكة الحديدة مسافة يشرف منها السائح على منظر بديع، وإلى الشمال الشرقي من المحطة يوجد بقايا حصن عربي قديم يقال له اليوم قصر «غاليانه».

190

فأما أسوار طليطلة فهي موصوفة بالمنعة ومن رأى طليطلة يقول إنها لا تحتاج إلى أسوار، لمنعة موقعها الطبيعي، ولكثرة ما فيها من غور ونجد، فهي في هذا المعنى أشبه بمدينة لوزان في سويسرة، لا يكاد يجد فيها الإنسان مساحة مسطحة. تزيد على 200 متر بل ترى الماشي فيها يصعد وينزل أبدا، وربما كانت طليطلة تفوق لوزان في قلة الاستواء، فإن أكثر شوارعها لا تسير فيها العربات، ولهذا تقل المركبات في طليطلة، والناس تنقل أشيائها على الدواب، فكيفما توجهت في طليطلة تجد جر الأثقال ضربا من المحال.

وبرغم هذا فإن الملوك الغابرين قد أحكموا أسوارها، وجعلوها طبقا عن طبق، فجمعت بين المنعتين الطبيعية والصناعية.

ومما لا نزاع فيه أنه مع كل ما بني فيها الأسبانيول على أيدي مهندسين من الفرنسيس والألمان والطليان، وما بنوا فيها من الكنائس والأديار والمستشفيات والمدارس وماعنوا بتغيير شكلها العربي، لا تزال المسحة العربية غالبة على هذه البلدة، في ضيق الشوارع، وقلة نوافذ البيوت، وسعة الدور الداخلية، وحصانة الأبواب، وغير ذلك من أساليب العرب في البناء، ولا تجد الرهبان والراهبات مقيمين في أديار هي على الطراز العربي إلا في طليطلة. وقد نقل دليل بديكر كلمة في حق طليطلة عن الكاتب الأفرنسي المشهور «تيوفيل غوتيه»

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ١٢٩