قلنا إنه تمهل قليلا حتى أجرى بالفعل ما كان يضمره من أول ساعة دخوله إلى طليطلة، فأما بحسب الروايات التي بين أيدينا، والتي معناها أن طليطلة خرجت من يد الإسلام سنة 1085 مسيحية فإن الجامع الأعظم تحول إلى كنيسة
59
ثاني سنة وقد رأينا في دليل بديكر أن الأذفونش السادس فتح طليطلة سنة 1085، وكان المسلمون اشترطوا لتسليمها أن يبقى المسجد الأعظم لهم، ورضي الأذفونش بهذا الشرط، ولكن في السنة التالية نقض الأذفونش عهده، بناء على إلحاح الملكة كونزتانزة وبرنار رئيس الأساقفة. ا.ه.
وكيف كان الأمر فقد تنصر كثير من مسلمي طليطلة، وبقي كثير من المسلمين على دينهم، لا سيما طبقة الخواص، ولكنهم لم يهجروا البلدة دفعة واحدة. وما خلت طليطلة من المسلمين تماما إلا بعد قرون متطاولة. ومن الغريب أن طليطلة رجعت إلى النصارى في الثلث الثالث من القرن الحادي عشر للمسيح، وأنه في أوائل القرن السابع عشر كان لا يزال فيه مسلمون في زي نصارى. وقد نقلنا في بحث مسلمي الأندلس في حاضر العالم الإسلامي في الجزء الثاني عن كتاب الأنوار النبوية في أنباء خير البرية، للعالم النسابة سيدي محمد بن عبد الرفيع الأندلسي المتوفى في رجب عام اثنين وخمسين وألف، وصفه يوم كانوا بالأندلس لحالة المسلمين الذين كانوا مضطرين تحت خطر الحرق بالنار، أن يظهروا النصرانية وهم يبطنون الإسلام، وكيف كان والد المؤلف المذكور يعلم ولده الإسلام سرا ، ويوصيه بأن يكتم ذلك حتى عن والدته وعمه وأخيه، وجميع أقاربه، وأن لا يخبر أحدا من الخلق بما يعلمه إياه في الخفاء. ثم كان يرسل والدته إليه فتسأله: ما الذي يعلمك والدك فيقول لها: لا شيء. فتقول له: أخبرني بذلك ولا تخف لأني عندي الخبر بما يعلمك. فيقول لها: أبدا ما هو يعلمني شيئا. قال: وكذلك كان يفعل عمي، وأنا أنكر أشد الإنكار ثم أروح إلى مكتب النصارى، وآتي الدار فيعلمني والدي، إلى أن مضت مدة، فأرسل إلى من أخوانه في الله والأصدقاء. فلم أقر لأحد قط بشيء، مع أنه رحمه الله تعالى قد ألقى بنفسه للهلاك لإمكان أن أخبر بذلك عنه فيحرق لا محالة. لكن أيدنا الله سبحانه وتعالى بتأييده إلخ. إلى أن يقول: فلما تحقق والدي رحمه الله تعالى أني أكتم أمور دين الإسلام عن الأقارب، فضلا عن الأجانب، أمرني أن أتكلم بإفشائه لوالدتي وعمي وبعض أصحابه الأصدقاء فقط، وكانوا يأتون إلى بيتنا فيتحدثون في أمر الدين وأنا أسمع، فلما رأى حزمي مع صغر سني فرح غاية الفرح، وعرفني بأصدقائه وأحبائه وإخوانه في دين الإسلام فاجتمعت بهم واحدا واحدا. ا.ه.
وقد علقت على هذه الجملة بقولي: إن الإسلام بالأندلس حسبما يظهر من هذا الوصف كان أصبح شبيها بجمعية سرية تكتم أمرها أشد الكتمان، ولا يقدر واحد من المسلمين أن يبوح بإسلامه إلا لمن يكون قد ابتلى أمانته، وامتحن صدقه فكانوا يجتمعون سرا إذا كان بعضهم واثقا ببعض، ويتكلمون في أمر الدين في أشد الخفية. ثم نقلت عنه ما يلي:
وسافرت الأسفار لأجتمع بالمسلمين الأخيار من جيان، مدينة ابن مالك إلى غرناطة، وإلى قرطبة، وأشبيلية، وطليطلة، وغيرها من مدن الجزيرة الخضراء أعادها الله تعالى للإسلام فتلخص لي من معرفتهم أني ميزت سبعة رجال، كانوا كلهم يحدثونني بأمور غرناطة، وما كان بها في الإسلام حينئذ، وبما أقوله وقلته بعد، فسندي عال لكونه ما تم إلا بواسطة واحدة بيني وبين الإسلام بها. ا.ه.
وعلقت على هذه الجملة الأخرى ما يلي: إنما من عرف كون ابن عبد الرفيع توفي عام ألف واثنين وخمسين للهجرة، لا يخفى عنه أنه كان شابا في أول سنى الألف للهجرة، أي منذ نيف وثلاثمائة سنة. ويظهر له أنه منذ نيف وثلاثمائة سنة، كان في جيان وغرناطة وأشبيلية وقرطبة أناس لا يزالون يدينون بالإسلام سرا، وهم في الظاهر نصارى. وأغرب من هذا وجود مثل هؤلاء في طليطلة المصاقبة لمجريط، والتي كان مضى على استرجاع الأسبانيول لها يوم زارها ابن عبد الرفيع أكثر من خمسمائة سنة. أي أنه بقي مسلمون في الباطن في طليطلة من بعد أن زال عنها حكم الإسلام بخمسمائة عام.