وأما مقبرة الملوك فهي مجاورة للمذبح الأعظم، وذلك حتى تقام القداسات اليومية على عظام الملوك المدفونين. وفي هذه المقبرة زخرف كثير، مخالف لقاعدة البساطة التي كان فيليب الثاني قد جعلها إماما له في بناء هذا الدير. والسبب في ذلك هو أن هذه المقبرة قد أكملها خلفاؤه من بعده، والمدافن واقعة ضمن محاريب في الحيطان، وكل مدفن فيه ناووس من الرخام الأسود، عليه كتابة باسم الدفين. وفي هذه المقبرة ستة وعشرون ناووسا، ولم يبق منها غير قليل خاليا، وليس جميع الملوك مدفونين هنا، بل فيليب الخامس، وفرديناند السادس، ونساؤهما، ليسوا فيها. وهناك مقبرة أخرى فيها أجساد الأمراء والأميرات، ممن لم يصل إلى العرش.
وفي هذا الدير خزانة كتب عظيمة، واقعة في بهو طوله 52 مترا، فوق الرتاج الذي منه الدخول إلى المقر الملوكي. وفي هذه الخزانة من نوادر الكتب والآثار ما يستحق كل اعتبار. ومن ذلك كتب الصلاة التي كان يصلي بها شارلكان وفيليب الثاني، ومخطوط أسبانيولي يتضمن قصيدة فيرجيل الشاعر الروماني التي تسمى «إينايد»
Eneide ، والأناجيل الأربعة، في مجموعة كتب لكونراد الثاني، قيصر ألمانية، وأنجزت في زمن هنري الثالث، وتاريخها سنة 1050، ومخطوط فيه رؤيا يوحنا، تاريخه القرن الخامس عشر. وفيها مصحف شريف بخط مغربي مذهب كبير الحجم اتصل بالأسبانيول سنة 1594، وقد سألت عنه بعد زيارتي للأسكوريال، السيد الشريف الأجل، مؤرخ المغرب في هذا العصر، مولاي عبد الرحمن بن زيدان، حفظه الله، لأني وجدت مكتوبا على الصوان البلوري، الذي فيه هذا المصحف أنه مأخوذ من السلطان زيدان، صاحب المغرب. فأجابني مولاي عبد الرحمن بأن السلطان الذي أخذ منه هذا المصحف ليس من العائلة الشريفة السجلماسية بل من الملوك السعديين، وذلك أن بعض قرصان الأسبانيول غنموا مركبا من البحر لهذا السلطان، وكان فيه أمتعة نفيسة، وكتب من جملتها هذا المصحف. وقد قرأت في تاريخ الاستقضا للناصري السملاوي، في الجزء الثالث، في صفحة 128 ما يلي:
وقال منويل: «إن قراصين الأسبانيول غنمت في بعض الأيام مركبا للسلطان زيدان فيه أثاث نفيسة، من جملتها ثلاثة آلاف سفر من كتب الدين والأدب والفلسفة وغير ذلك».
ومن جملة آثار خزانة الأسكوريال تآليف الملك الأذفونش الملقب بالحكيم من القرن الثالث عشر، وكرة أرضية، كان فيليب الثاني يستعملها في مطالعاته الفلكية. وفي هذه الخزانة صورة لفيليب الثاني، يوم كان في الواحدة والسبعين من العمر، وصورة لشارلكان يوم كان في التاسعة والأربعين، وصورة لفيليب الثالث، وصورة أيضا لكارلس الثاني، وهو ابن أربع عشرة سنة. ثم إنه يوجد في الخزانة قسم للكتب الخطية، لا يمكن الاطلاع عليه إلا بإذن خاص من إدارة الأسكوريال.
وأما القصر الملوكي الذي في الاسكوريال فإنه إن كان فيه شيء من الزخرف، فهذا قد حصل بعد موت فيليب الثاني. فأما هو فلم يكن بنى لنفسه إلا غرفة صغيرة يشاهد منها المذبح الأكبر في الكنيسة، وغرفتين بجانبها، ولا تزال فيها المفروشات التي كانت في أيام فيليب الثاني، ولا تزال في غرفته الخاصة المائدة التي كان يكتب عليها مع أدواتها، وهناك الكرسي التي كان يمد عليه رجله. وفي هذه الغرفة كان يستقبل سفراء الدول. وفيها مات، وذلك في اليوم السابع عشر من سبتمبر سنة 1598، على أثر مرض برح به، وكان وهو يجود بروحه ينظر إلى مذبح الكنيسة الكبير، كما أنه كان في يده نفس المصلوب الذي كان في يد والده شارلكان يوم فاضت روحه.
وللأسكوريال حديقة تتفتح أبوابها الساعة الثانية بعد الظهر. ولها منظر من أبدع المناظر، لا تبلع العينان مده على سهل قشتالة الجديدة، ومجريط، ووادي الرمل.
ولما زرت أسبانية سنة 1930 أي من ست سنوات، ذهبت إلى الأسكوريال أنا واثنان من شبان المغرب النجباء، وسرواته الأدباء، وهما السيدان العالمان الفاضلان أحمد بلا فريج، ومحمد الفاسي الفهري، وكان معنا السنيور دوزميت يواكين، من شبان نبلاء الأسبانيول، فطوفنا في الأسكوريال مدة ساعات، وجلسنا في خزانة الكتب، حيث رأيت من الكتب العربية ما لا يوجد في كثير من المكاتب وهناك تعارفنا مع الأستاذ المستشرق العلامة القسيس آسين بلاسيوس المشهور، وتحادثنا معه في مختلفة المواضيع، وسألناه عن سبب ذهابه إلى أن رواية دانتي، الشاعر الإيطالي الأكبر، المسماة بالمهزلة الإلهية، هي فكرة مسروقة من رسالة الغفران، لأبي العلاء المعري، فأدلى إلينا بآرائه في الموضوع، وبين لنا أن التشابه الواقع في عدة من النقط لا يمكن أن يكون من قبيل وقع الحافر على الحافر، وقال أيضا إن رسالة الغفران كانت مترجمة إلى اللاتينية ، ككثير من الكتب العربية، فيترجح أن يكون دانتي قد اطلع عليها. ثم سألناه عن رأيه في علماء غرب الأندلس، فرأينا له في حقهم رأيا عظيما، وذكر منهم عددا من جملتهم أبو محمد بن حزم، برغم كون ابن حزم طعن كثيرا في النصرانية، وأن آسين بلاسيوس ليس نصرانيا فحسب، بل هو قسيس مستمسك بدينه. وأما لسان الدين بن الخطيب فقال لنا أنه لا يعجبه. وذكر لنا آسين بلاسيوس أنه تلميذ «قديره» المستشرق الأسبانيولي الذي أصله من العرب، والذي طبع في مجريط كتب ابن بشكوال، وابن الأبار وغيرهما، وله تحقيقات كثيرة، وإليه يرجع الفضل في تجديد العناية بالعربية في أسبانية.