L’escurial
ومن ضواحي مجريط قرية الاسكوريال
Escorial
أو
Escurial
ومعناها معدن الحديد، والقرية قسمان: القرية القديمة تسمى «أباجو»، والقرية الجديدة وتسمى «الريبة» وعدد سكان هذه ثلاثة آلاف نسمة. وهي مصيف لأهل مجريط، وفيها الدير الشهير الذي يسميه الأسبانيون
Rial Monasterio de San Lorenzo del Escorial
وهو الذي بناه فيليب الثاني، وذلك أنه في حصار مدينة سان كنتين سنة 1557 أصابت مدافعه كنيسة باسم القديس «لورنزو» وهو جندي روماني من أصل أسبانيولي، توفي شهيدا فأراد فيليب أن يعوض القديس من هدم تلك الكنيسة المبنية على اسمه ببناء دير عظيم، جعل فيه أيضا مدفن والده شارلكان، الذي كان تخلى عن الملك من تلقاء نفسه، واختار العزلة والنسك، وصح فيه قول المتنبي:
ويمشي به العكاز في الدير راهبا
وما كان يرضي مشى أشقر أجردا
وكان فيليب الثاني يريد أن يقتفي أثر أبيه في التنسك والاعتزال، فبعد أن بحث نحوا من سنتين عن مكان لهذا الغرض أصابه في جوار مجريط بقرية الاسكوريال، فاستدعى إليه المهندس الطليطلي الشهير «جوان بوتيستا»، وبدأ بالعمل سنة 1559، ولكن المهندس مات بعد أن بدأوا بالبناء، فخلفه عليه «جوان دوهربره» الذي هو من تلاميذه، وكان الأول تعلم البناء في رومة، وأما الثاني فكان تحصله في بروكسل. وكان فيليب الثاني يشترك بنفسه في الشغل، ويأخذ ويعطي مع الصناع، ولا يتركهم يعملون شيئا بدون رأيه وقد بذل همة فوق تصور العقل لأجل إكمال هذه البنية التي قل أن يوجد مثلها في الدنيا. وقد انتهوا من العمل ووضع الصليب على القبة سنة 1581، وآخر حجر وضع في هذا الدير كان وضعه في 13 سبتمبر سنة 1584، وأما المقبرة الملوكية فما تمت إلا في زمن فيليب الرابع، حفيد فيليب الثاني. وقد خمنوا نفقات هذه البنايات الكبرى بستة عشر مليونا وخمسمائة ألف بسيطة. وطرز هندسة هذا الدير هو طرز عصر التجدد الثاني في إيطالية، وهو الذي يعتمد في جلاله على مجرد تناسب الأقسام، وليس في الأسكوريال شيء من الزينة ولا الزخرف، وجميع تلك الجدران لا يتخللها غير نوافذ صغيرة. وإذا نظرت إلى هذا البناء العظيم حسبت أنه قلعة أو سجن. ولما أراد فيليب الثاني أن يزين داخل الدير بالتصاوير التي لا بد منها نظرا للمذهب الكاثوليكي، استجاد بعض مصوري إيطالية المشاهير مثل «تيبالدي» و«كامبيازو» و«زوكارو» وأما من أسبانية فقد استدعى «جوان فرناندس» و«نافاريت اللكروني».
وقد انتقد الكثيرون من أساطين الفن بناء الأسكوريال، وقالوا إنه ليس له من مزية غير السعة والكثرة، وأنه ليس فيه ذوق ولا قوة توليد، ولا فضل اختراع وكل ما هناك فهو خطوط هندسية مستقيمة، تسود عليها بساطة زائدة، يمجها الطبع. وقد علل بعضهم هذه البساطة الزائد بكون فيليب الثاني كان هو الآمر الناهي في اختيار الأشكال التي لم يكن يستحسن منها إلا البسيط الساذج. وكان كلما جاءه المهندسون بشيء من الزخرف رفضه فجاءت بنايته هذه أشبه في يبوستها وجهامة منظرها بالبرية التي تحيط بها. أما طول البناية فهو 206 أمتار والعرض هو 161 مترا، ولها أربعة أبراج. وفي وسطها كنيسة ذات قبة عالية وبرجين عظيمين، في كل منهما جرس كبار وإلى الشرق والشمال من هذه الكنيسة المقر الملوكي، وإلى الغرب ساحة خارجية، وإلى الجنوب الدير الحقيقي وحواشيه وأماكن القديسين.
وللأسكوريال رتاج عظيم، عليه تمثال القديس لورانزو، يعلو أربعة أمتار، ورأسه ويداه من المرمر، وفي يده اليمنى مشواة من النحاس المذهب، إشارة إلى كيفية استشهاد القديس، الذي يقال إنه أميت على آلة مثلها. وفي الكنيسة ست أسطوانات، عليها تماثيل ملوك العهد القديم، وجميع الرؤوس والأيدي من الرخام الأبيض، والتيجان والصوالجة من النحاس المذهب. وقبة الصليب ترتفع 95 مترا، والكنيسة في غاية الاتساع، وفيها 48 مذبحا وعلى حيطانها تصاوير الوقائع الدينية الكبرى، مثل البشارة، والحمل، وولادة عيسى، وعبادة الملائكة له، وملوك المجوس، وبني إسرائيل في البادية، واليوم الآخر، وهزيمة بني إسرائيل للعمالقة، وغير ذلك.