تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومكتبة مجريط هي من أغنى مكاتب أوروبا بلا نزاع، سواء في الكتب، أو في الآثار أو في التحف النفيسة، وفيها أيضا نفائس من صنعة فارس وتركية والهند، وتماثيل صينية، ومصنوعات من العاج من عمل الصين، وفيها أيضا من صناعة اليابانيين وبلاد الفيليبين، وفيها معرض للمسكوكات القديمة، من زمان قرطاجنة فما بعدها، وغير ذلك مما لا يكاد يحيط به العقل.

وفي مجريط تمثال لكريستوف كولومب منصوب في ساحة منسوبة إليه. وتمثال للملكة إيزابلا الكاثوليكية، وتماثيل أخرى لأعاظم الرجال. وفيها متحف للعلوم الطبيعية أنشأوه سنة 1771، يوجد فيه كثير من الحيوانات والطيور والحشرات والهوام والبقايا المتحجرة. ولما كانت مجريط خالية من الماء في وسطها فقد جروا إليها قناة يقال لها «لوزويا»

Lozoya ، وأنشأوا خزانا يفضي إليه الماء في أعلا نقطة من المدينة، وهذا الخزان يسع 180 ألف متر مكعب من الماء، وهناك برج عال ارتفاعه 37 مترا تتفرق منه المياه على الحاضرة. وأوسع ساحة في مجريط هي الساحة التي يقال لها «ساحة الشرق»

Plaza de Oriente

أنشأها يوسف بونابرت لما كان ملكا على أسبانية ولكثرة ما أنشأ من الساحات صاروا يقولون له “Rey

Plazueles”

ومعناه ملك الساحات. وقد هدم لأجل توسيع هذه الساحة عدة أديار وكنيسة وخمسمائة بيت. وفيها أربعون تمثالا لملوك القوط والأسبان. وفي مجريط دار للسلاح مشهورة، وكان أصلها في بلد الوليد، فنقلها فيليب الثاني إلى مجريط، وفيها أسلحة من جميع الأنواع، منها ما جاء هدية من اليابان إلى فيليب الثاني، ومنها أسلحة مكسيكية. وفيها رايات باقية من زمن شارلكان وفيليب الثاني، وكذلك دروع ومغافر كانت لشارلكان وفيها أيضا عمامة وأسلحة منسوبة لخير الدين بربروس، قيل إنهم أخذوها في موقعة تونس سنة 1535، وفيها أسلحة علي باشا أمير البحر التركي، مع ثيابه وراية تركية، مما أخذه الأسبان في واقعة ليبنط الشهيرة سنة 1571، وفيها رايات لمشاهير قواد أسبانية. وخيمة من مصنوعات تركية، كانت لفرنسوا الأول ملك فرنسا وقد أخذها الأسبانيول في وقعة «بافيا» التي أسر فيها، وفيها سيوف باركها البابوات لأن أصحابها جاهدوا في المسلمين، مثل الملك هنري الرابع صاحب قشتالة، والإمبراطور شارلكان وفيليب الثاني، وفيليب الثالث، وفيليب الرابع، وفيها أسلحة تركية من صنعة القرن السادس عشر والسابع عشر، وبقايا غنائم أخذوها يوم فتحوا وهران سنة 1732، وفيها أسلحة شارلكان يوم نازل تونس، ويوم انكسر عن مدينة الجزائر، وفيها أسلحة كانت للملك فرديناند الكاثوليكي، وقلما وجد سلاح لملك من ملوك أسبانية إلا ومنه بقية في هذا المخزن.

وفي مجريط دار يقال لها أكاديمية التاريخ، بنيت سنة 1738، وفيها متحف يحتوي على أسلحة أيبيرية قديمة، وعلى مجموعة مسكوكات، ومن جملة ما فيها راية عربية كانت من قبل في كنيسة سان أشتبان. وأما من جهة الكتب ففيها 44 ألف مجلد، من أصلها ألفان من المجلدات المخطوطة، وأكثرها عائد لتاريخ أسبانية.

وأما الكنائس فحدث عنها ولا حرج، ففي أسبانية تكون القصبة لا يتجاوز سكانها عشرة آلاف نسمة، ولا تعدم فيها كنيسة متقنة تستحق أن يقصد السياح إليها، فكيف تكون يا ليت شعري! حاضرة المملكة التي جلس فيها ملوك أسبانية من ثلاثمائة سنة؟ وأشهرها الكنيسة الكاتدرائية التي يقال لها كنيسة سيدة المدينة

Nuestra Senoira de la Almudena .

هذا وقد ترددت في أثناء مقامي بمجريط على مكتبة أكاديمية التاريخ، وعثرت فيها على كتب كثيرة. وقطفت من أزهارها. ونسخت بقدر ما أمكنني الوقت، وإني لذاكر الآن بعض الكتب التي استجلبت نظري، من أسفار تلك المملكة وهي: «تاريخ العلماء» الأندلس، لأبي الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي المعروف بابن الفرضي، وكتاب «الحلل الموشية في الأخبار المراكشية». و«الروضة الغناء في أصول الغناء» و«تفريج الكرب عن كروب أهل الأرب. في معرفة لامية العرب» لمحمد بن قاسم بن محمد بن عبد الواحد بن زاكور، و«نظم الدر والعقبان، في شرف بيت بني زيان، وذكر ملوكهم الأعيان، ومن ملك من أسلافهم في ما مضى من الزمان»، و«عمدة الطبيب في معرفة النبات»، لابن بطلان، و«نزهة المشتاق، في اختراق الآفاق» للشريف الإدريسي، الذي نقلنا عنه كل ما قاله عن الأندلس في كتابنا هذا وكتاب «فتوح أفريقية» وكتاب «القواعد المسطرة، في علم البيطرة» لعلي بن عبد الرحمن بن هذيل بن محمد الفزاري. وكتاب «فضالة الإخوان في طيبات الألوان»، لأبي الحسن علي بن محمد بن القاسم بن محمد بن أبي بكر بن الوزير التجيبي الأندلسي. و«تقييد الرسائل» من إنشاء الفقيه القاضي الكاتب ابن المطرف ابن عميرة. و«عقد الجمان، في تاريخ أهل الزمان» لبدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد بن موسى العيني. و«الروض الهتون، في أخبار مكناسة الزيتون»، لمحمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن غازي العثماني المكناسي. و«نتيجة الاجتهاد، في المهادنة والجهاد»، لأحمد بن المهدي الغزالي الفاسي. وكتاب «الاكتفا في أخبار الخلفا»، لأبي مروان عبد الملك بن الكرديوس. وكتاب «الدرة المضية، في اللغة التركية»، لزين الدين عبد الرحمن بن أبي بكر العيني. و«القوانين الكلية، لضبط اللغة التركية»، لشمس الدين محمد بن نور الدين علي بن زين الدين. وكتاب «استخراج ملح المعادن». وكتاب «تأيد الملة». و«الذخيرة» لابن بسام، ورسالة بفضل الأندلس لأبي الوليد إسماعيل بن محمد الشقندي. و«حكاية الجارية تودور»، وما كان من حديثها. وكتاب الجغرافية في مساحة الأرض وعجائب الأسقاع والبلدان. وقصة الست زمرد الستورية. و«التكملة» لابن الأبار. ودفتر لرسم الكتب الموضوعة في خزائن يمني المحراب من الجامع الأعظم (يريد جامع قرطبة). ودفتر لرسم الكتب الموضوعة في خزائن يسرى المحراب من الجامع الأعظم. وكتاب «فوائد الموائد» تأليف يحيى بن عدي، وقيل تأليف جمال الدين أبي الحسن المعروف بالجزار. وكل هذه الكتب نظرت فيها بقدر ما وسع الوقت وكتاب فوائد الموائد كثير النكات، يقرأه الإنسان للتسلية. أوله: «الحمد لله الذي جعل الطعام رزقا للعباد، وقواما للأجساد، وسببا لذم البخلاء ومدح الأجواد، أحمده على ما منح من طيبات رزقه، ومعرفة الكرام من خلقه، رازق الأطعمة الشهية، ومسخر النفوس السخية، إلخ». وأجل كتاب رأيته في هذه المكتبة هو «الفلاحة في الأرضين»، لأبي زكريا يحيى بن محمد بن أحمد بن العوام الأشبيلي. وهو جزءان، وعدة صفحاته 841. ويندر أن يكون في هذا الفن كتاب أجل قدرا منه. وقد قرأت في مجلة المجمع العلمي العربي التي تصدر في دمشق أنه مترجم إلى الإفرنسية وقد نسخت من هذا الكتاب عدة صفحات ورأيته ينقل كثيرا عن الفقيه الإمام أبي عمر أحمد بن محمد بن حجاج في كتابه «المقنع» وهو المؤلف سنة ست وستين وأربعمائة، نقل فيه صاحبه عن الرازي، وإسحق بن سليمان، وثابت بن قرة وغيرهم. وكذلك نقل أبو زكريا يحيى بن محمد بن العوام الأشبيلي صاحب كتاب الفلاحة هذا عن كتاب الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن الفصال الأندلسي، الذي بنى كتابه على تجاربه الخاصة، ونقل عن كتاب الحكيم الشيخ أبي الخير الأشبيلي، وهذا مبني على تجارب المؤلف وعلى آراء جماعة من الحكماء والفلاحين. ونقل عن كتاب الحاج الغرناطي. وكتاب بن أبي الجواد، وكتاب غريب بن سعد، ونقل عن حكماء اليونان، وأيضا عن كتاب الفلاحة النبطية المشهور المبني على أقوال جلة من الحكماء منهم آدم، وصغريت، وينبوشاد وأخنوخا، وماسي، ودونا، وكانتري، وغيرهم. وأما تاريخ ابن الفرضي، ورسالة الشقندي في فضل الأندلس، فقد نقل عنهما صاحب النفح ما شاء. (7) الاسكوريال

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ١٠٥