تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان بناء مجريط في زمن العرب ضرورة عسكرية، لأنهم جعلوها قلعة في وجه القشتاليين، ولولا القلعة ما تكونت ثمة بلدة، إذ ليس إلا بلد محل، وماء ضحل، وبقيت في أيدي العرب مدة طويلة إلى أن تمكن الأسبانيول من إرجاعها سنة 1083 وذلك على يد الأذفونش السادس، وكانت القلعة العربية في مكان القصر الملوكي الحالي وهذا القصر هو أفخم بناء في هذه العاصمة الآن، وكان الشروع ببنائه سنة 1764.

هذا، ولما دخلها الأسبانيول حولوا مسجدها الكبير إلى كنيسة باسم السيدة العذراء وأعطوا مجريط امتيازات كثيرة، وصارت لذلك العهد مدينة لا بأس بها، تمتد إلى باب «لاتينه»

Latina

وباب «سرداه»

Cerrada ، وباب «وادي الحجارة»، وباب «سانتو دومينكو»

Sato Domingo ، وباب «سان مارتين»

San Martin ، وباب «الصول»

Del Sol ، ووقع بين أهل مجريط وأساقفة أسبانية دعوى على مشاعات البلدة، فصدر الحكم بأن تكون المراعي لرجال الكنيسة وأن تكون الغابات للمدينة.

وفي سنة 1329 جمع فرديناند الرابع أول مجلس للأمة الأسبانية في مجريط وفي سنة 1383 التجأ إلى أسبانية لاوون ملك أرمينية شريدا، فولوه على مجريط، ولكن بعد وفاته رجعت البلدة إلى حكم قشتالة، وفي سنة 1390 حصلت في مجريط فتن متتابعة أيام كان الملك هنري الثالث صغيرا فانتقلت العائلة المالكة إلى سقوبية. ثم تجددت هذه الفتن في زمن هنري الرابع بين سنتي 1454 و1474، ولم تستقر أحوال مجريط إلا في زمن الملوك الكاثوليكيين، أي فرديناند وإيزابلا سنة 1477 وفي زمن شارلكان ثارت مجريط عليه، وانضمت إلى الحزب الذي كان يأبى الانقياد للحكم المركزي، إلا أن هذا الحزب انتهى أمره بالفشل، فدخل شارلكان مجريط سنة 1524 بعد ذلك بسنة، لما وقع فرنسوا الأول ملك فرنسا أسيرا في يد الإمبراطور شارلكان، بعد معركة «بايفه»

Pavia

جيء به إلى مجريط، واعتقلوه مدة في البرج المسمى «لوجانس»

Lujanes

ثم نقلوه إلى القصر

Alcazar ، وكان عدد أهالي مجريط في أوائل القرن السادس عشر لا يتجاوز ثلاثة آلاف نسمة.

والذي فكر في جعل مجريط عاصمة أسبانية هو فيليب الثاني، وذلك سنة 1560 وقبلها كانت العاصمة طليطلة. وكان في طليطلة كرسي الأسقف الأكبر، فكانت هذه المدينة عاصمة أسبانية في الدين والدنيا، وكان الاحتكاك الدائم لا يخلو من حوادث تبعث على الاختلاف، فأخذ فيليب الثاني يفكر في الانتقال إلى مركز آخر يتوسط المملكة مع جميع الجهات، فلم يجد أفضل من مجريط، على علاتها، وقحولة أرضها، وعطلها من أكثر المواهب الطبيعية التي تقوم بها عمارة البلدان، فإنه فكر في سرقسطة، فوجدها منحرفة إلى الشمال. وفي برغش وليون، فلم يجد فيهما التوسط اللازم الذي جعله نصب عينيه، وفي قرطبة وأشبيلية، فوجدهما ضاربتين في الجنوب، وكان مراده على كل حال أن يغادر طليطلة فرارا من مجاورة أحبار الكنيسة فاختار مجريط، برغم وقوعها في أرض قليلة الخيرات، لا تجري فيها أنهار ولا تمتاز بزرع ولا ضرع، كما أن هواءها جامع بين الأضداد، فمن نواقح البرد القارس، إلى لوافح الحر المحرق، ففي أيام الشتاء قد تنزل درجة الحرارة في الميزان إلى 11 تحت الصفر ويتجمد الماء أكثر فصل الشتاء، وفي الصيف تصعد الحرارة إلى الدرجة 43 في الظل، كأنه حر الساحل الجنوبي، ثم إن هواء مجريط، إما أن يكون شديدا عاصفا، يصرع الرجل الماشي في الشارع، وإما أن ينقطع تماما، حتى لا يطفئ المصباح، فتقلبات الأحوال الجوية في هذه العاصمة أعجوبة من الأعاجيب، ومن أمثالهم: لا تترك معطفك قبل 20 مايو.

ولما انتقل فيليب الثاني إلى مجريط كان فيها 2500 بيت، و25 ألف نسمة، فضاقت على رجال الدولة والجند. وصدرت الأوامر بإنزال الأمراء والقواد وأصحاب المناصب في البيوت الكبيرة، فمن ذلك الوقت امتنع الناس عن بناء الدور الفيحاء، وصار الأغنياء منهم يعتمدون السكنى في المنازل الحقيرة، حتى لا ينزل رجال الدولة في دورهم. فلذلك بقيت مجريط لا تتقدم إلى الأمام مدة طويلة، مع أن الفن لذلك العهد كان بلغ أوج الترقي، واستمرت هذه الحالة على مجريط إلى أن جاء آل بوربون ملوكا على أسبانية، فشرع كارلس الثالث، أفضل ملوك هذه العائلة، في عمارة مجريط والاعتناء بشأنها. ولما استعفي كارلس الرابع من عرش أسبانية سنة 1808 جاء يوسف بونابرت، وأخذ يوسع شوارع مجريط، ويهدم حاراتها القديمة، والأديار التي كانت تضيق بها الأرض بما رحبت ثم ذهب حكم نابليون، وأعيد حكم آل بربون، وجاء فرديناند السابع، فأخذ يعتني بتوسيع مجريط وتزيينها، إلى أن كسبت شكل عاصمة حقيقية.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ١٠٢