تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما زال يفجعنا بهم حتى غدا

شرف الفتى بين الورى بمعاده

فلبئس عيش بات مخترما به

مثل السليم رزيئة لبلاده

ولبئس إفضال ومجد بعده

ولبئست الأيام بعد بعاده

من هز هذا القطر فاجع فقده

حتى تفطر فيه قلب جماده

وسطا على الصبر التفجع بالغا

سيل الأسى الطامي ذرى أطواده

وتوفيت آمالنا من بعده

ما الدهر يحييها إلى آباده

الأروع الشهم الذي بعلومه

وجدائه كالبحر في إزباده

الطائر الصيت الرفيع مقامه

والباهر الحسنات في إسعاده

من كان بابا للرجاء مبلغا

في الخطب من يرجوه شأو مراده

وقف الحياة لخدمة العلم الذي

قد كان حقا باسطا لمهاده

فقضى بعيد أبيه

131

في أجل أبى

إلا اتصال حداده بحداده

أسفا عليه وكان ركنا للعلا

وقوامها بطريفه وتلاده

أيام باهر مجده يذر السهى

وكواكب الأفلاك من حساده

أيام لا تلقاه إلا جاهدا

ومجاهدا في العلم حق جهاده

أيام إن صعد المنابر خاطبا

تهتز من عجب ذرى أعواده

يا راحلا عنا رويدك إنما

من سار لم يندم على إرواده

مهلا لتبصر حال من غادرتهم

وترى قضاء الله بين عباده

من كل من تخذ السهاد سميره

وأقام نواحا على تعداده

من كل من نظم المراثي جاعلا

من ذوب عينيه سواد مداده

غادرت ذكرك في الورى لا نافدا

بل تنتهي الأيام قبل نفاده

فاذهب إلى مولاك يا من قد قضى

والشكر للرحمن أكثر زاده

وقلت مجاوبا أحد الأدباء:

أخف ما نال مني الطرف ما أرقا

وخير ما سر مني القلب ما خفقا

ونزر ما كادني ذا الدهر جور نوى

أصابني بسهام تخرق الدرقا

طمعت بالوصل مشتاقا فماطلني

وجد ركب التنائي بي فما رفقا

ما إن دنت من فؤادي منية قصدت

إلا وسد لها من دوني الطرقا

كأنما حلف الدهر الخئون بأن

يحول بين فؤادي والذي علقا

ورابني صرفه فيما يعنتني

أن كيف خلف لي من بعده رمقا

لله أي نسيم ليس يذكرني

وأي ساجعة لم تجدني قلقا

يميل قلبي وقد لجت نوازعه

ما ميلت نسمات الفجر غصن نقا

يا غائبا مخلصا لي في مودته

ولست أعرف منه غير ما نطقا

فدر درك من خل سما خلقا

لأنت أفضل من في وده صدقا

تفدي القلائد آثارا له سبقت

إلي والفضل لا يخفى لمن سبقا

لا غرو إن أرها من قبل صاحبها

إني أرى الصبح لكن قبله الشفقا

لله من صاحب صغرى محامده

مودة محضت لا تعرف الملقا

مهذب إن بدا منه الثناء ففي

شريف أخلاقه روض الثنا عبقا

أهدى إلي قريضا من طرائفه

يوما فقلد مني الصدر والعنقا

كالبدر متسقا والدر منتسقا

والصبح منبثقا والغيث مندفقا

شعر لكل اختراع جاء مفتتحا

من بعد ما كان هذا الباب منغلقا

سحر لقد لعبت بالقوم فتنته

بلا طلاسم تخفي سره ورقى

جازيك من شاعر إن تستجده إلى

نظم مضى فيه مثل السهم إذ مرقا

إذا انبرى في مضامير البيان غدت

جياده في المعاني تركض الرهقى

يرق في النظم حتى يسترق به

ويسترق إذا ما جاء مسترقا

لبيك يا خاطبا مني الوداد ترى

مني فتى ما درى نكثا وما مذقا

قد طالما سمعت أذني وما نظرت

بواصري فليفاخر مسمعي الحدقا

فإن عرفت فإني ناظر ثمرا

لكنني لم أصب عودا ولا ورقا

يا قاتل الله حظي والفراق هما

على مناصبتي دهرا قد اتفقا

فهل أرجي من الدنيا الصلاح ولم

تزل وفيها غراب البين قد نعقا؟

لكن على المرء عرك الدهر طاقته

ولو تحمل ذو الهمات كل شقا

حب السلامة يثني عزم صاحبه

فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا

132

وقلت وأنا في المدرسة - وهي من أوائل نظمي - في العلامة الطيب الذكر المطران يوسف الدبس مؤسس مدرسة الحكمة التي درست بها:

أبدر بدا أم سنا باهر

وعطر سرى أم ثنا عاطر

أم انبلجت غرة العيد حتى

تزاهى بها وجهه السافر

وفتق فيه نوافج مدح

أريج العطايا به ذافر

فأنعم به عيد يمن جلا

هموم الورى بشره الظاهر

وأنساهم اليوم نعماه ما

يعنته أمسه الدابر

فلا الخلق في دهرهم ضاجرون

ولا الدهر في خلقه جائر

فهل غفل الدهر في العيد أم

تغافل عن أنه داهر

مآثر طابت بهن النفوس

جميعا وقر بها الناظر

تبدد جيش الهموم بها

لدى كسرة ما لها جابر

أغار عليه سرور الورى

ديوان الأمير شكيب أرسلان · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ديوان الأمير شكيب أرسلانص ٦٠