ولا حي إلا وهو بالموت قاهره
دعا اليوم محيي الدين نحو جنابه
يقربه من قدسه ويجاوره
سرى نعيه في كل حي ففي الورى
تعازيه لكن في الجنان بشائره
وباتت شئون الدين تجري شئونها
على فقده والفقه تدمى محاجره
وكل امرئ يبكي عليه دما فما
عواذله في الحزن إلا عواذره
لعمرك ما للشرق ذا اليوم أقتمت
مشارقه واليوم أظلم ناظره
وللدين وجد ليس تطفأ ناره
وللشرع طرف ليس يقلع ماطره
أصاب بني الإسلام خطب عرمرم
بذا اليوم فالإسلام تبكي منابره
لقد كان فيه الشيخ ركنا مشيدا
وكانت طلاع الخافقين مآثره
فطبق آفاق البرية ذكره
وسار به بادي الزمان وحاضره
إمام بأفواه الجميع علومه
وبحر بأعناق الجميع جواهره
مبارك خلق طيب الذكر عابد
مهذب طبع مشرق الوجه سافره
بقية ذاك السالف الصالح الذي
بأمثاله الأقطاب جلت ذخائره
قد ارتفعت أسراره وتطهرت
له سير غر حكتها سرائره
وأصبح في أيامه علم الهدى
تعم البرايا بالضياء منايره
تداعت بيوت العلم يوم وفاته
وخر عماد الفضل وانهد عامره
وراح عليه الفقه يلطم وجهه
إذ انتكثت مما دهاه مرائره
ولم أدر أن الصبر تفنى دروعه
إلى أن قضى والعزم تفري مغافره
فقد فرغت من كل باك دموعه
كما نزفت من كل راث محابره
ترحل عن دار الفناء إلى التي
بها عيشه في الخلد تجري كواثره
فقد دك طود باذخ المجد شامخ
وغيض بحر زاعب الفيض زاخره
وأغمد سيف صارم الحد باتر
وغيب بدر ثاقب النور باهره
سلام على قبر تضمن تربه
فذلك لحد ساطع العرف عاطره
سقت تربه الوطفا ولا برح الحيا
يراوحه في رجعه ويباكره
وما الموت إلا مسلك عم نهجه
وجسر جميع الخلق لا بد عابره
وما المرء إلا ميت وابن ميت
ومن بدؤه الميلاد فالموت آخره
وكتبت إلى أحد الأدباء:
ما بين غزلان العقيق وبانه
حرب بها بطل الهوى كجبانه
حرب تضرم بالحضيض سعيرها
وعجاجها بالجزع فوق رعانه
ومنها:
عبثت بعشاق العقيق وأوغلت
فدماؤهم تربي على غدرانه
لم يرهبوا بأسا لقاء أسوده
فأبادهم حتفا لقا غزلانه
يا زائرا تلك الربوع وسائرا
بعراصها الفيحاء في ركبانه
إن تنزلن سفح العقيق فأشرفن
واسفح عقيق الدمع مع عقيانه
وتأملن صنع الهوى بفريقه
فإذا رضيت فبعد ذلك عانه
سبحان من خلق الفؤاد وطامه
أبدا على حب الحمى وحسانه
وأعز سلطان الهوى حتى غدت
أسمى ملوك الأرض من عبدانه
رقا كما رق القريض لمن غدا
بالألمعية مالكا لعنانه
الشاعر المتفنن الندب الذي
يروي حديث النظم عن حسانه
ومنها:
هذا أبو الفضل الذي لا بد أن
يمسي ببقعتنا بديع زمانه
وافى وما انصاح النهار بليله
زمنا فحل الصدر من إيوانه
يلهو بأنواع الفنون ويحتسي
من عصر من سلفوا سلافة حانه
وله الرقائق في الكلام يجيدها
نظما يسلي المرء عن أشجانه
قد أبرزته قريحة سيالة
تزري بصوب المزن في تهتانه
يا سامعا عنه البدائع معجبا
مهلا فليس سماعه كعيانه
إن سرت في الوطن العزيز فأشملن
وانزل بذاك السفح من لبنانه
في معلم كالروض في حسناته
تجنى ثمار الخير من أفنانه
فانزل على سعة برحب فنائه
وانظر مآثر من عجبت لشانه
وقلت أرثي الطيب الذكر العزيز سليم أفندي البستاني صاحب جريدة الجنة ومجلة الجنان، وكانت وفاته سنة 1885 وكنت ابن 15 سنة:
الدهر أفتك فارس بطراده
أبدا وأكثر فتكه بجياده
يخنى فإن قصد الفتى لم ينتفع
بمضاء صارمه وطول نجاده
ومنها:
يسطو على المرء المنى بعد العنا
قسرا فماذا النفع من إيجاده؟
يرث الفناء وقد يرى من لم يرث
شيئا سوى ذا الموت عن أجداده
لا يشفعن بالمرء غض شبابه
عند الحمام ولا ذكاء فؤاده
البين يخترم الجميع وليتما
قد كان كل البين بين سعاده
بين كفى الدنيا نعاب غرابه
وبه كفى متشائما بسواده
يردي الحبيب وخله متقلب
في مضجع أهناه شوك قتاده
متعرضا بالنائبات الغبر في
إصداره أبدا وفي إيراده
يا أيها البين المفرق بيننا
إذ فيه معنى الدهر في استبداده
الدهر أنزق شيمة من أن يرى
بالحزم ذا بقي على أفراده