تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذي المعالي فليعلون من تعالى

وزمان يظل ينشد عنها

هكذا هكذا وإلا فلا لا

وكتبت إلى صديقي أيوب أفندي عون مدير مدرسة الكاثوليك في حلب الشهباء:

حتام تجذبني القدود وأجنح

ويصدني عنها الصدود وأجمح؟

ويهيجني سوق الحسان وأدمعي

أبدا على سفح المعاهد تسفح

غاضت دموعي بعد فيض شئونها

وعهدت عين الدمع ليست تنزح

وبقيت فيما بين لذع صبابة

يكوي وبرح دائم لا يبرح

أحيي الليالي آملا أن تنجلي

صبحا وليس بأمثل ما تصبح

إن كان يوحشني الظلام لذي النوى

فالهجر في يومي لعيني أوضح

ولقد أتوق إلى الكرى فلربما

طيف الحبيب بزورة قد يسمح

فلئن يكن ذاك الغزال محرما

وصلى فحسبي في الكرى ما يسنح

يا ليلة بالجزع تجزعني بها

نوحا وراقي الأيك مما تصدح

باتت تذكرني ليالي بينها

كنا وكان المنحنى والأبطح

ما بين هاتيك الظباء سوانحا

تمشي بحبات القلوب وتمرح

باتت تتيه بها العقول إذا بدت

تيها كبانات النقا تترنح

من كل مياس أغن إذا انبرى

فالعقل يعقل والنواظر تطمح

يلهو ويجرح في النهار وإنما

قد ظل يجرح مهجتي إذ يجرح

يا من يعذبني ويحسب أنني

لعذابه طول الزمان مرشح

يسطو علي ولا يرق فعنده

قلب ولكن بالحديد مصفح

دلهتني في ذا الغرام فها أنا

قيس ولكن بالفراق ملوح

فإلام تهجرني وقد كاد الصبا

يذوي ورطب غصونه يتصوح؟

ما كنت أيوب الصبور وإن يكن

بالصبر معنى اسمي بفارس يشرح

ذاك السمي الباهر الشيم التي

أخلاقه بالأروعية تطفح

المشبع العقل الذي أخلاقه

غر الوجوه حسيبة لا ترجح

الواسع الفضل الذي لثنائه

في كل خلق من علاه مفتح

الناصح الجيب الذي آثاره

عن حسن ما يطوى عليه تصرح

يثني عليه بالوفاء وإنما

تمديحه بوفائه لا يمدح

حر تفتح للوداد فؤاده

وكلامه عند الثنا يتفتح

فهو الذي إن ضاق في الخلق الولا

ففؤاده بالود مغنى أفيح

وإذا تزحزح ركبه عن أرضنا

فهو الذي في العهد لا يتزحزح

لا غرو إن شط المزار فإنه

قلم اللبيب بكل مسك ينفح

سمح القريحة في رهان قريضه

يجري كما يجري الجواد الأقرح

تلقاه يرعف في الطروس يراعه

كالسيل في بطن الجوا يتبطح

ويخوض في لجج الفنون ويجتني

دررا بها صدر الزمان موشح

تزهو جنان العلم بين سطوره

إذ كل ما فيها لعين مسرح

غرر تترجم عن علو مقامه

ولعلها من كل مدح أفصح

يا صاحبا سمح الزمان ببعده

وببعده وجه الزمان مكلح

لا بدع إن تبعد وأنت عزيزه

فالدهر يبعد في الورى ما يمنح

أثويت في الشهباء أفسح منزل

لكن محلك في فؤادي أفسح

وقلت في رثاء لأحد الأعزة، وهي من أوائل نظمي:

هي الأحكام يصدرها القضاء

فليس لمبرم إلا المضاء

ولا ينبو حسام الموت مهما

أتيح له على الخلق انتضاء

لقد عم الردى كل البرايا

ومات الناس حتى الأنبياء

وأصبحنا رعايا للمنايا

علينا من ولايتها لواء

ألسنا الخلق غايتنا زوال

وعنصر خلقنا طين وماء

وسفر مراحل وذوي حياة

لها بالويل ختم وابتداء

نهل إلى البكاء متى ولدنا

ويصحبنا إلى الرمس البكاء

ولا نرجو بذي الدنيا بقاء

ألا إن البقا منا براء

حياة كانسياب الطيف مرا

بدنيا للفناء هي الفناء

إذا كانت نهايتها خفوتا

فأطولها وأقصرها سواء

يغر المرء منها ورد عز

يخال به السعادة وهو داء

موارد علقم تبدو عذابا

كذا الدنيا وما فيها رياء

يدير الدهر فينا كل كأس

لنا من صرف خمرتها انتشاء

ويرهقنا من الأرزا ببطش

تقصر دونه الأسل الظماء

يمزق في البرية كل شمل

فيصبح مثلما نثر الهباء

ويهدم للمعالي كل ركن

فيشمله بأيديه العفاء

كذا قضت الليالي من بنيها

بألا يستتب لهم هناء

لعمرك في البرية أي أم

على أولادها منها اعتداء

فوا عجبا لضاهدة لديها

أواصر ما بهن لها اعتناء

لقد آلت رعاها الله قدما

يمينا أن تسر بما نساء

تفجعنا بكل فقيد فضل

عليه يلطم الوجه العلاء

لقد كانت تتيه به المعالي

وكان عليه من شرف رداء

رويدك أيها المنعي نعيا

به تنعى المكارم والرجاء

ويا مترحلا مهلا لعمري

فداك الناس لو صح الفداء

ورد حمامك الآسون لكن

ديوان الأمير شكيب أرسلان · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ديوان الأمير شكيب أرسلانص ٥٦