تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

محاكية للبحر تعلوه جيفة

وفيه نفيس الدر في القعر يرسب

فيعدم فيها الحظ من يستحقه

ويحرم فيها الكسب من يتكسب

ويحظى بها بالجد من لا يرومه

ويشوى بها بالسهم من لا يصوب

إذا الحق لم يصبح على الكل سائدا

فليس لحر في البرية مأرب

وإن عدم الحق المبين نصيره

فما يرتضي بالعيش حر مهذب

وإن لم تكن فينا على الخير عصبة

ففيما سواه ساء ما نتعصب

فليس بمغن للكريم اتساعها

إذا كان فيها الحق كالمال ينهب

لكم بت أنضي همتي لأقيمه

وأظهره في بعض أمر ويحجب

فما زال للأبصار تحت ستائر

إذا زال عنه غيهب جن غيهب

فقد قلت ما قد قلت لا عن مآرب

أجل أنا من مثل ذاك وأحسب

وإني من القوم الذين هم هم

إذا غاب منهم كوكب لاح كوكب

عتاق المعالي قد تسامت جدودهم

على الشم ممن أنسل الشيخ يعرب

لهم نسبة في أقعس المجد عرقها

له منزل فوق السماك مطنب

وأصحابهم فيها الفصاحة والحجى

وبذل اللهى والمشرفي المذرب

بدور إذا الهامات بالبيض عممت

ليوث إذا الهامات بالبيض تضرب

بحور إذا الأرزاء ألقت جرانها

غيوث إذا الأعوام في القوم تجدب

فياصل حق بالبيان وتارة

فياصل إذ دار الأصم المكعب

لهم حسب يحكي الشموس وضوحه

يزاحم منه منكب الشمس منكب

فإن كنت منسوبا إليهم فإنها

إليهم لتعزى المكرمات وتنسب

فدون انتساب المرء للمجد والعلا

لعمرك لا يغنيه أم ولا أب

فما دمت حيا في الزمان فلم تزل

علي حقوق ليس منهن أوجب

أهم بأشياء كبار ودونها

من البعد في ذي الحال عنقاء مغرب

أرى الفتح يدنو كلما أنا ساكن

ويبعد عني كلما أنا أقرب

وقد غادرت قلبي العوارض حائرا

هو القلب من تلك الحوادث قلب

توارد أنواعا كثارا وكلها

تؤثر في القلب اللطيف وتنشب

وقلت متغزلا بالحسن المعنوي مفتخرا بأصحابه:

مال الصبا بعواطف النشوان

ميل الصبا بمعاطف الأغصان

ولوى الغرام عنانه نحو اللوى

وبدا الحنين لأبرق الحنان

وهوى الهوى بالقلب بين أعقة

ومتالع ومطالع ورعان

فغدا يراوح من معاهدها التي

في نجد بين معالم ومغان

يأتي اللصاب من الشعاب وينتحي

من منزل الجرعا سفوح البان

في كل منعطف وكل ثنية

يبدو له شجن من الأشجان

ويح المحب لقد تهتك في الهوى

فرعاه في سر وفي إعلان

أجرى العقيق بطرفه وبنى بأو

تاد الضلوع مضارب الكثبان

صب ألم به الهوى فمضى به

للحسن تحت أسنة الخرصان

أنذرته سوء المصير فقال لي

إن الصبابة عزة الفتيان

أطلقت للقلب العنان فهمت لا

ألوي ولست لذا العنان بثان

لهفي عليه عدت بمهجته الظبا

حبا إلى حيث الظبى بمكان

بين البوارق والصفوف زواحف

تحت البيارق والرماح دوان

طلب المحاسن في الخيام ودونها

ضرب يطيح سواعد الشجعان

وإذا هوى نجد تحكم في فتى

جعل الردى في حيز النسيان •••

هيهات ليس لعاشق أمنية

يسعى إليها في طريق أمان

وإذا العواسل دون معسول اللمى

يزداد معها القلب في الخفقان

وإذا الخدود القانيات تعرضت

للحب سال لها النجيع القاني

وإذا الأسود وقد تردت في الحمى

صرعى أمام كوانس الغزلان

وإذا رجال كتائب النعمان قد

ذلت لعز شقائق النعمان

وإذا الأعز الأيهم الغسان قد

أمسى رقيق الأهيف الغساني

حال تطيش بها العقول وربما

أخبت ذكاء ثواقب الأذهان

تعيي فؤاد الأحوذي كأنه

مما أصيب صريع خمر دنان

ما إن يقاوم بأسها بطل ولو

حازت يداه عزة العقبان

تغشى مقاصير العظام ولم تكن

عنها تعز مناسك الرهبان

عمت فإن فاتت عديم القلب بال

وجدان ما فاتته بالبرهان

لكن ما أودى بعذرة حبه

لم يختلف بشعوره إثنان

وترى القلوب على المحاسن أقبلت

مثل الدلاء جذبن بالأشطان

وترى إلى وصل الحبيب حنينها

يحكي حنين النجب للأعطان

كيف الخلاف وللفؤاد تأثر

بجميع ما مرت به العينان

أو كيف لا أهوى الجمال وقد بدا

من نور ذاك العالم الرباني

عين الوجود اللامع النور الذي

ما لاح مثل سناه للأعيان

العاقب الإكليل مصباح الهدى

والصادق المبعوث بالفرقان

هو أحمد المحمود من في حله

كنف الوجود تشرف الثقلان

ديوان الأمير شكيب أرسلان · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ديوان الأمير شكيب أرسلانص ٤٧