فقد قيض الرحمن فينا ذرائعا
وقامت لهذا الفضل فينا دعائم
ويوم هو المشهور أيامنا به
مقلدة أجيادها والمعاصم
لدى مشهد يستوقف الركب عن ظما
وتسكن من جفل إليه النعائم
تناهب فيه الحمد من كل جانب
كرام صنوف المجد فيهم مقاسم
بهم رجع الفضل الأصيل لأهله
وعادت إلى أصحابهن المكارم
وهل ناجح بالأمر إلا رجاله
وهل ساجع بالأيك إلا الحمائم
وهل يتحرى الفضل إلا عميده
وهل تسكن الآجام إلا الضراغم
فسقيا لروض للمعارف ناضر
بها وعليه عارض الفضل ساجم
لأطياره في العلم شدو وإنما
به الطائر المحكي في القول جاثم
123
يضوع له في الأرض عرف معارف
ثناء على عرف الخليفة دائم
سلام على السلطان أما مرامه
فنفع وأما شغله فالعظائم
سليل بني عثمان أما جداؤه
فغيث وأما عزمه فلهاذم
أطاع له البران شرق ومغرب
ودانت له في العدوتين الأناسم
له بين أعباء الخلافة في العلا
صرائم إلا أنهن صوارم
أقام أمور العرش بعد تظاهرت
عليه خطوب للظهور قواصم
وقام بأمر الملك حق قيامه
يدافع عنه تارة ويهاجم
فسد ثغور الملك بعد انثلامها
وجاز إلى دار الوغى وهو ثالم
وأحكم إجراء العدالة في الورى
وعمت له كل العباد مراحم
فيوما تراه وهو للرزق قاسم
ويوما نراه وهو للخطب حاسم
يسهد جفنا لا يطيب له الكرى
وفي أرض عثمان ظليم وظالم
فلا زال بدرا نوره متكامل
وغيثا علينا ودقه متراكم
يعيد لنا عز الخلافة عهده
ويغتبط الإسلام إذ هو سالم
تضيء على الدنيا مطالع شكره
وتعطر فيه بالدعاء الخواتم
وقلت أشكو الزمان:
من الدهر تشكو أم على الدهر تعتب
وما صاحب الأيام إلا معذب
شكي بلا قاض شجي بلا أسى
إذا بات في دنياه يعتب يعتب
يلاقي الأسى في صدره كل مذهب
متى ضاق عنه في البسيطة مذهب
هو المرء في كف الزمان مقلب
يقاسي عذاب الموت والدهر يلعب
تولد في الدنيا حليف مصائب
فلم يغن عنه حرصه والتجنب
يصاحبها وهي العداة وإنه
لخسف بأن تشنا الذي أنت تصحب
إذا نقصت من كل عز حظوظه
فأسهمه من نكبة ليس تغلب
طريد ليال بات في كف طارد
ومطلوب دهر عند من هو يطلب
فبينا يسام الخسف من كل وجهة
إذا هو في بطن الضريح مغيب
فلله يا دنيا حياتك كربة
وفيك غراب البين ما زال ينعب
رأيتك محض الغش في محض قدرة
فلا منك رهبان ولا فيك أرحب
وإني وإن ضاقت علي مذاهبي
لديك فصدري من فنائك أرحب
أرى بك من نكدي وصبري عجائبا
وأعجب من حالي وحالك أعجب
فهل فيك ضيم مثل بعد أحبتي
مضى ذلك الأمر الذي أتهيب
بكيت عليه وانتحبت لياليا
فلم يجدني ما كنت أبكي وأنحب
فكم ليلة منها قضيت مسامرا
نجوم السما طورا تضيء وتغرب
إلى جانب الورقاء تندب في الدجى
شجيين طول الليل نشكو ونندب
تشب شرارات الأسى بترائبي
ويطفئها من ماء عيني صيب
وقد كنت لا أبغي خمود صبابتي
وأزجر طرفي إذ يجف وينضب
بصدري حر الشوق برد يلذ لي
وعندي ورد الدمع والله طيب
أبى الله أن أهوى السرور وإنني
على غير صوت النوح أشجي وأطرب
لئن عذب التعذيب لي قبل ذا النوى
بوجدي فهل بعد النوى ليس يعذب
فيا ليت شعري هل أرى الدهر مرة
لدى غفلة عن نكبتي يتنكب
أليست لتصفو منه يوما سرائر
فيحلو لي طعم وينساغ مشرب
أما تحفظ الأيام مني وقيعة
وتغضب مني مثلما أنا أغضب
فقد طال وصفي نكدها غير كاذب
ألا ليتها تسعى برد وأكذب
فتبا لها من مصميات سهامها
ولا ينفع الإنسان منها التأتب
هي الدجن أما صاعقات خطوبها
فصدق وأما البرق منها فخلب
قضى قبلنا الكندي
124
أحمد حقبة
يعنفها في شعره ويؤنب
على أنها الدنيا إذا شئت وصفها
وإن لم أشأ تملي علي وأكتب
وإني وإن لم تحيني غير صبوة
فكم ناشني منها إلى اليوم مخلب
سأشكرها إذ إنها مذ حداثتي
لقد عودتني الصبر وهو محبب
وقد نجذتني الحادثات وأدبت
وليس كمثل الحادثات مؤدب
ولكنها مني تمارس شدة
وقد عجمت عودي فعودي أصلب
وما عدمت من شدة وبراعة
ولكن من لاقت أشد وأنجب
ولكنه لا نفع فيها لصابر
إذا لم يكن منها لعمرك مهرب