تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتحظوا بأعلاق المنى وتحققوا

بهمتكم من عصرنا ما توسما

هو العصر وافى ضاحكا عن فنونه

وقد كان من قبل عليكم تأجما

تبدى وهذا الجهل في الناس سائد

فأطرق منه هيبة وتحشما

وراح على الدنيا ينش بدائعا

فهز أخا عشق ورنح ضيغما

بكم معشر الحضار تزان أرضنا

ويصبح عرض الخسف فيها مكلما

تجلون عن أن ترشدوا من مماثلي

ولكنها ذكرى لما ليس مبهما

كفى عصركم فخرا وعزا إذا ادعى

أمير الورى عبد الحميد المعظما

ليجهد في استرجاع رونق شرقنا

وتجديد ما من مجده قد تهدما

فلا زال في عصر الخلافة قائما

لما انآد من أمر العباد مقوما

ينث عليه الخافقان بعدله

ثناء جميلا بالدعاء مختما

وقلت في مثل ذلك عند حضور امتحان المدرسة السلطانية في السنة نفسها:

بدور بأفق العلم هذي المواسم

على البدر قد لاحت لهن مواسم

لتغدو بها عين الفلاح قريرة

وتبدو ثغور السعد وهي بواسم

يقدر فيها العلم ما هو كاسب

ويعرف فيها الفضل ما هو غانم

فتنتج ما قد حاول الجهد في العلا

وتسفر عما باشرته العزائم

شهور على صدق الفعال أمينة

ولكن قضاة بالسباق حواكم

مضامير أقران النباهة والنهى

يميز مرغوم لديها وراغم

هو الجد حتى البعد للقرب سابق

وحتى الخوافي خلفهن القوادم

وحتى ترى ما كان في نيله الرجا

صريما قد التفت عليه الصرائم

وهل يبلغ الآمال إلا مجاهد

وهل يطرد الأهوال إلا مقاوم

وهل دون غاي الجهد تدرك غاية

ودون اخترام النفس تعنو المخارم

وكيف يرجي الوصل من ليس يمتطي

وكيف يزيل القرن من لا يصادم

ولا بد من غوص الفتى قصر لجة

لتخرج غران اللآلي الخضارم

ومن مدرك من فاته وهو قاعد

ومن لاحق من جازه وهو نائم

وما النفع من جيش تعبى صفوفه

إذا لازمت أغمادهن الصوارم

فإن تمام الجهد للنجح واجب

وليس يسوغ الصد عما يلائم

وإن المسمي العقل في المرء صاحب

لعلم غدت منه عليه رثائم

فأجدر بخل أن يصاحب خله

ولا يترك الملزوم ما هو لازم

وللعقل طول العمر بالعلم صبوة

بلا سلوة والإلف بالإلف هائم

أليفان لا ينفك كل متيما

بصاحبه تعيى لديه اللوائم

فإن عد حقا أفضل الناس عالم

فأفضل منه عاقل وهو عالم

وإن أمكنت من دون ذا العلم عزة

فبالعلم أسنى ما تسود العوالم

كما عز بالعلم الأعارب قبلنا

فذلت وهابتهم لذاك الأعاجم

ليالي لا أملاك إلا ملوكهم

تعد ولا تيجان إلا العمائم

تقدمنا منهم رجال تقدموا

وسادوا وما في القوم إلا ضبارم

رجال مضوا لم تلههم عن علومهم

وشغل الورى غاراتهم والملاحم

لهم أشرقت تلك الديار وأزهرت

بأقطارنا أنجادها والتهائم

قد استخرجوا در المعارف بالعنا

وموج العوادي حولها متلاطم

فمنم بآثار العدو صوائف

ومنهم لآثار العلوم معالم

لقد أوسعوا الأمرين فتحا كأنما

مكارمهم في الحالتين مغارم

فغنت رهام الطير فوق رياضهم

وأثنت عليهم في النزال القشاعم

وسادوا العدى في كل أمر فأصبحت

بأيديهم أمصارهم والعواصم

وأصبح منهم هؤلاء على الثرى

كما سكنت بطن التراب الأراقم

يخافون أمر العرب حتى كأنما

لهيبتهم فيهم رقى وطلاسم

ولم يك إلا العلم علة مجدهم

فجادهم ما لا تجود الغمائم

فمن يعتصم بالعلم يمس معززا

ومن يفتتن عنه تطأه المناسم

إذا ما تأملت الزمان رأيته

بكل نجاح في العباد يساهم

فإن عد كسب العلم فينا فريضة

فكل جهالات الأنام محارم

وهل نرتضي ذا اليوم ذلا بتركه

إذا ساد فيه جيلنا المتقادم

لعمري لقد كانت لنا بجدودنا

مآثر في حق القصور مآثم

فلا غرو أن نقتص آثار مجدهم

طرائقهم قدامنا والمناجم

ولم لا نرجي كل فوز وما لنا

سوى الفضل في جنب الزمان جرائم

ونعلم أنا إن نجد نجد وذا

مجرب أمر ليس فيه مزاعم

وكيف يرى نيل الفلاح بدونه

ويأمل دون الجد ذا النيل حازم

بعصر يفوت القوت فيه معده

ويعدم ورد الماء من لا يزاحم

وقد نهضت كل الخواطر للعلا

وزادت جيوشا في الصدور الشكائم

فكل فخار ناهل الفكر حائم

له وعليه طائر الذهن حائم

فعزما بني الأوطان فالجهد واجب

بذا وبحول الله فالنصر قادم

ديوان الأمير شكيب أرسلان · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ديوان الأمير شكيب أرسلانص ٤٥