تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أبيات إحسان وليس جميعها

من كل بيت بالمحاسن عامر

قد جادها صوب الصبا وبنشرها

نم الصبا عن كل عرف زافر

درجت معي أطوار عمر واصل

ما جاش من يوم بليل ساهر

قد باكرتني قبل صادق فجره

مذ كنت من أعوامه في العاشر

أوحت إلى قلبي الهوى فشعرت إذ

غصن الصبابة لا يميل لهاصر

فمضيت بين كمائل ومفاخر

ومشيت بين خمائل وأزاهر

ما قلت ذا فخرا ولا عجبا وما

من معجب في نظمها أو فاخر

لكن لترفق غير مأمور بها

فلكم خطت طورا لنيل الحاضر

إن تأتني عفوا فكم هذبتها

من سخف لفظ أو روي نافر

مكنتها بعد النزاع وكم حكت

قلق القداح بدت بكفي ياسر

حتى أتت من بعد تربيتي لها

حسبي وإن لم تغد ملء محاجري

عوضت ما خسرته من حسن بما

رفعت إليك فلم أكن بالخاسر

فكن الوصي على يتامى ناظم

وبنات فكر في ثناك قواصر

أهديتها لا كي تليق وطالما

قبل الكبير هدية من صاغر

هي دون ما يهدى إليك وإنما

مثلي على ما فاق ليس بقادر

الداعي

شكيب أرسلان

وقلت، وأنشدتها في محفل مدرسة الحكمة، وكنت في السادسة عشرة من العمر:

عما بصباح العلم رغدا وانعما

بربع ظلام الجهل عنه تصرما

قد انصاح صبح السعد في ليل نحسه

فغادره شيئا فشيئا مهزما

وثاب إليه العلم عدوا بعوده

إليه فلا لؤم إذا ما تلوما

فأصبح داجي أفقه اليوم زاهرا

وقد كان زاهي أفقه قبل مظلما

وأينع ذاوي روضه اليوم بعد أن

تصوح من عصف البوارج في الحمى

ترنح عطف السعد منه بعيد أن

رأى لثغور العلم فيه تبسما

وباتت غصون العز تخطر عندما

رأت فوقها طير المعارف حوما

لعمرك إن الشرق رد بهاؤه

فيرفل في ثوب النساء منمنما

وعاد إليه الفضل والعود أحمد

عليه إذا كان الغياب مذمما

وما الشرق إلا ذلك الشرق لم يزل

مدى الدهر أعلام العلا متسنما

فإن نابه يوما من الدهر صرفه

فلم تمض إلا برهة فتثلما

وإما تطش دهم الليالي سهامه

فهيهات لم تسلبه للحظ أسهما

وإن فاته للفضل غيث فإنما

توخى إليه الرجع جما فعتما

وإن تعره الأحداث من بعد بسطة

فأي الورى لم يلق بوسى وأنعما

وإن يك يوما سود الجهل أفقه

فقد طالما في الفضل أطلع أنجما

نجوم علوم أخجلت بضيائها

نجوم ضياء لحن في كبد السما

بهن اهتدى في سيره كل بارج

توغل في بحر الكيان الذي طمى

رجال بهم جاد الزمان وعله

على مثل هذا الجود يوما تندما

أقامهم في الشرق يحيون شأنه

فأذهل عما نال عادا وجرهما

هم الملأ الأخيار والعصبة الألى

رأينا لعمري الرشد فيهم مجسما

تظلم منه الفجر قبل مجيئهم

فجاءوا فلما أثقلوه تظلما

لكم أرهفوا بالجد للمجد مخذما

وكم أرعفوا بالنيل للفضل مخطما

وكم صرفوا وجه الصروف عن الورى

وكم عفروا بالحزم للدهر مرغما

وسلوا من الآراء أبيض صارما

ففلوا من الأرزاء بحرا عرمرما

أماطوا قناع المكرمات وقد جلوا

محيا المعالي بعد أن كان أسحما

وأعلوا منار الرشد في أفق شرقهم

وخلوا سبيلا للمآثر أقوما

وأجروا ينابيع المعارف في الملا

فطال بها نبت المعاني وقد نما

وشادوا أصولا للفنون وأوضحوا

لها سبلا أضحت إلى النجح سلما

فنعم رجال الشرق قوما ومعشرا

إلى جدهم أصل المعالي قد انتمى

جروا في رهان الفضل في أول المدى

سباقا كما أجريت أجرد شيظما

ولم يرهبوا من دونها في جهادهم

خطارا فقد خالوا التوقي تقحما

فهم أسسوا ركن الحضارة في الورى

ولم يفعلوا إلا لندرك مغنما

وهم أكنهوا سر المعارف أولا

وهم عرفوا نفع العلوم مقدما

فلما أحل الله فيهم قضاءه

وأوفاهم داعي الردى متخرما

طوتهم أيادي البين من بعد أن رموا

من الهمة الشماء أبعد مرتمى

فغار ضياء الشرق عند غيارهم

وأظلم وجه الشرق وقتا وأقتما

ودالت إلى العرب العلوم مع العلا

كما حكم المبدي المعيد وأبرما

وأوجف ركب السعي في طلب العلا

فكان بذا الجري الجواد المصمما

فهادنه صرف الزمان مسالما

ونوله الخير الأتم المعمما

وباتت بلاد الشرق من بعد عزها

كأن لم تنل مجدا ولم تحو مغرما

إلى أن تجلى طالع العصر بعد أن

تحجب عن تلك الجوانب واكتمى

ديوان الأمير شكيب أرسلان · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ديوان الأمير شكيب أرسلانص ٤٣