أو خاض في ذكرى العذيب تشابهت
أعطاف مستمعيه مع باناته
وإذا تحدث بالربيع وروضه
أنساك بالتحبير وشي نباته
أو سل في وصف الوقائع صارما
خلت العدى سالت على شفراته
لا رتبة تعلو مكانته ولا
شرف يناف عليه من شرفاته
نحت القوافي السائرات أوابدا
ماذا يفيد النحت من أثلاته
قد بذ آلهة القريض بأسرهم
ومحا عبادة لاته ومناته
ينضون كل نجيبة أن يطلعوا
جبلا يحل الرأس من شعفاته
ولكم مررت بحاسدين لفضله
رغم القلى يروون من أبياته
لا ند يعدله وكم من مجلس
أشعار شوقي الند في سمراته
يتمثل العصر الحديث بشعره
حق التمثل من جميع جهاته
ولرب بيت يستقل بجملة
تغني عن التاريخ في صفحاته
لم يفتتن من عصره بمساوئ
كلا ولم يغمطه من حسناته
قد لازم الإنصاف في أحكامه
لا فرق بين صحابه وعداته
وإذا سألت عن الجهاد فإنه
منذ الحداثة كان في سرواته
كالسيف في أوضائه ومضائه
والليث في وثباته وثباته
ما حل بالإسلام حيف مصيبة
إلا وكان بها لسان شكاته
يحمي حقائقه ويوضح سبله
ويقيل طول الوقت من عثراته
يلقي على غمرات كل ملمة
قولا يزيل أجاجها بفراته
ويظل يرسلها قصائد شردا
غررا تشق الفجر عن ليلاته
كانت قصائده هي الصوت الذي
سرى عن الإسلام ثقل سباته
بعثت به روح الحياة كأنها
هي صور إسرافيل في زعقاته
قد كان أدرى الناس بالداء الذي
قد حط هذا الشرق عن صهواته
داء هو الأخلاق في اضمحلالها
فلذا ترى الأخلاق رأس وصاته
وفى عن الشرق القديم نضاله
من يوم نشأته ليوم وفاته
قد ذاد عنه بقلبه وبلبه
شأن الأبي يذود عن تركاته
ماض يحذره استلاب تراثه
منه ويحفزه لأخذ تراته
أعلى منار الشرق في أوصافه
وأجاد وصف الغرب في آفاته
ووحى إلى الشرقي بالطرق التي
يمشي النجاء بها لأجل نجاته
أملى مكافحة الذئاب عواديا
بالواد قد حلوا مكان رعاته
الجائسين ببحره وببره
والجائشين بنجده ووطاته
والغاصبين لزرعه ولضرعه
والآكلين لتمره بنواته
أشعاره تحيا وتحيي أمة
تجد الحياة الحق في كلماته
يا راحلا ملأ الزمان بدائعا
من قبل أن نزل القضا بسكاته
أتركت بعدك شاعرا ترضى بأن
ترعى جياد الفكر في تلعاته
يبكي بك الإسلام خير جنوده
أبدا ويرثي الشرق خير حماته
وكأن وادي النيل من أحزانه
يلقي على الشطين من زفراته
ونوادب العربية الفصحى لها
ندب عليك يذيب في رناته
انظر إلى الإخوان كيف تركتهم
من كل مضطجع على جمراته
انظر لحال أخ فداك بروحه
لو كان يحيي الميت عزم فداته
قد كنت طول العمر قرة عينه
والآن يجري السخن من عبراته
مضت السنون الأربعون ونحن في
هذا الإخاء نمز من قهواته
أرعاك عن بعد وترعاني على
عهد نهز الرطب من عذباته
عهد رعيناه مديد حياتنا
واليوم زاد الموت من حرماته
قد كنت أطمع أن ترى لي راثيا
يا من غدوت اليوم بين رثاته
كنا نخاف رداك قبل وقوعه
فلنا الأمان اليوم من دهشاته
تبا لعيش قد يكون مساؤه
نوحا وكان سروره بغداته
والمرء إن ينظر لما يبلى به
لا فرق بين بقائه وفواته
فالميت وهو يذوب في حشراته
كالحي وهو يذوب من حسراته
نرجو لك الدار التي عمارها
هم كل من صنع الجميل لذاته
يضفي عليك الله ثوب نعيمه
والله لا تحصى ضروب هباته
قد كنت في الدنيا هزارا صادحا
يشجي ويسلي الناس في نغماته
فالآن كن بجلال ربك ساجعا
والطائر المحكي في جناته
وقلت أرثي صديقي الطيب الذكر، الحاج عبد السلام بنونة، من عيون أعيان تطوان، بل المغرب كله، المنتقل إلى رحمة ربه في 3 شوال من هذه السنة 1353، وهذا آخر شعر لي إلى تاريخ نشر هذا الديوان. وقد أرادت جريدة «الحياة» الصادرة في تطوان في عددها المؤرخ في 3 ذي القعدة سنة 1353، الموافق 7 فبراير سنة 1935 أن تتلطف بالكلمات الآتية قبل إثبات القصيدة:
لوعة أخ على أخيه
رثاء لمفخرة المغرب المرحوم الحاج عبد السلام بنونة، نور الله ضريحه وروح روحه.
الأمير شكيب أرسلان؛ رجل الساعة في العالم الإسلامي، ابتدأ يخدم القضية الإسلامية منذ خمسين عاما، وهو أول زعيم عربي رفع صوته في الشرق والغرب مدافعا عن قوميتنا المغربية المهددة، فبلغ صدى صوته الخافقين، يحب المغاربة حبا جما، وتربطه برجالهم روابط حب متين وإخلاص مكين، وليست هذه القصيدة التي نقدمها للقراء اليوم إلا صورة مصغرة منبئة عن عواطفه النبيلة نحو أمتنا وقادتها في الحياة والموت.