تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

47

يوما بنقده

لخلاه ملقى ليس يزهر زاهره

مدى ليس فيه من يشق غباره

وطائلة ما إن بها من يجاوره

فقد غيبت تلك الفضائل كلها

ودارت على ذاك النبوغ دوائره

وبات يبكي كل صاب إلى العلا

وكان حرى ألا تجف بوادره

أأحمد لا تبعد ففي كل مهجة

ولاؤك عقد محكمات أواصره

لئن بنت عنا لم تزل متمثلا

عليك احتوت من كل شخص ضمائره

دخلت إلى الدار التي أنت أهلها

مكانك فيها مشرق الوجه سافره

ولا بأس من هول الحساب على امرئ

له زرد من نسج أيديه ناصره

عليك سلام الله ما لاح بارق

وجاد ثراك الغيث ما سح ماطره

على الناس دين من ثنائك لازم

يؤدونه ما يذكر الحق ذاكره

ورثيت صديقي المرحوم الشيخ عبد القادر الشيبي كبير سدنة البيت الحرام، وعين أعيان مكة المكرمة:

سلاني هل على بعدي سلاني

وهل كان المغيب سوى العيان؟

وهل فارقته إلا توالت

رسائله علي بلا توان؟

صديق نادر الأمثال فيما

عهدت وما له في العهد ثان

وغطريف تعز به قريش

له في كل مكرمة يدان

من النفر الألى سادوا وشادوا

وجادوا للأقاصي والأداني

عريق المجد أروع عبدري

له شأن يكذب كل شاني

وكيف يكون من ينميه أصل

كعبد الدار أو عبد المدان؟

وكيف يكون مضطلع بأمر

تسجل بالمثالث والمثاني

أقر الله للشيبي حقا

سدانة بيته طول الزمان

تغيرت البلاد ومن عليها

ورتبة آل شيبة في أمان

وقد ضموا إلى ما أورثوه

تميزهم بأخلاق حسان

وكان عميد هذا الوقت منهم

يشار إلى علاه بالبنان

يهز به الحجاز أخا مضاء

إلى العلياء كالسيف اليماني

وإذ فارقته في أرض وج

48

وجا

49

قلبي التياع كالسنان

كأني قد شعرت لدى وداعي

بأني لن أراه ولا يراني

ولما جاءني منعاه أذكى

ضلوعي واستهل المدمعان

وباتت تسفع الأحشاء ذكرى

مجالس كالأمان وكالأماني

زمانا كان يرعاني وفاه

على مر الدقائق والثواني

ألا يا آل شيبة لي حنين

إليكم من أخ جم الحنان

لعبد القادر الشيبي عندي

مقام لا يقوم به بياني

أشاطركم بهذا الخطب حزنا

شجاكم منه سهم قد شجاني

ولكني بعبد الله

50

أرجو

عزاء آسيا جرح الجنان

وأسأل للفقيد كريم نزل

لدى مولاه في غرف الجنان

هناك العالم القدسي باق

وهذا العالم الإنسي فان

هذه مرثيتي للأخ القديم، والولي الحميم، أحمد بك شوقي، أمير الشعراء - رحمه الله - وقد توفي سنة 1351ه/1932م:

قد أعجز الشعراء طول حياته

واليوم يعجزهم بندب مماته

هيهات يوجد في البرية منهم

كفؤ ليرثيه بمثل لغاته

كان الأمير لجيشهم مستنة

فرسانهم في الظل من راياته

ما عاب أهل العبقرية أنهم

قد قصروا في الخب

51

عن غاياته

هذا أمير الشعر غير مدافع

في الشرق أجمع منذ فتق لهاته

لو كان وحي بعد وحي محمد

لانشق ذاك الوحي عن آياته

السحر في نفثاته والزهر في

نفحاته والدهر بعض رواته

رقت لنغمته القلوب فكيفما

غنى بها رقصت على نبراته

تغدو المعاني العصم شمس مقادة

فيقودها قود الغلام لشاته

وإذا أراد الصخرة الصماء من

أغراضه رقت نظير سحاته

52

ما رام شارد حكمة في نظمه

إلا أصاب صميمها بحصاته

جلى الإله له الأمور كأنما

يلقي عليها الشمس من نظراته

فكسا الطبيعة من نسيج بيانه

حللا خلت من غير طرز دواته

فترى الطبيعة قبل نظرته لها

غير الطبيعة وهي في مرآته

والحسن يشرق في العيون بذاته

وهنا يضيء بذاته وصفاته

هذا هو الشعر الذي بنبوغه

لم تحسن النظراء قرع صفاته

من كل بيت في رفيع عماده

تتقاصر الأقدام عن عتباته

كالدر في لمعاته، والبدر في

قسماته، والصبح في نسماته

ولقد رويت الشعر عن آحاده

وألفت للسباق في حلباته

وقضيت فيه صبوتي وصبابتي

وقطفت منه خير نواراته

وأثرت في الميدان بزل فحوله

وأطرت في الآفاق شهب بزاته

فرأيت «شوقي» لم يدع في عصره

قرنا يهز قناته لقناته

الفرد في أمداحه ونواحه

والفذ في أمثاله وعظاته

وإذا تعرض للغرام فهل درت

لغة الغرام نظير شوقياته؟

ما في الهيام كوجده وحنينه

أو في النسيب كظبيه ومهاته

أو بات يعبث بالشراب أضاف من

كاساته حببا إلى كاساته

ديوان الأمير شكيب أرسلان · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ديوان الأمير شكيب أرسلانص ٢٨