ما كنت تعدو ولا تبغي على أحد
ولا تغير على عرض ولا مال
ولا ذكرت امرأ يوما بمنقصة
يا أبعد الناس عن قيل وعن قال
لم تعرف الكبر في قول ولا عمل
كلا ولا سرت يوما سير مختال
فيك التواضع خلق لا تكلفه
وأنت تلبس منه ثوب إجلال
ولم تكن لجميع الناس متضعا
إلا على ثقة في النفس والآل
لك المزايا التي الأقوام تحسدها
وما اشتغلت بحساد وعذال
لو كانت الناس في الدنيا نظيرك لم
تحتج لعمري لحكام وعمال
ما كنت تنشد في الأعمال محمدة
ولا تبالي بألقاب وإبجال
39
بل تلك عاطفة النفس التي طبعت
على الجميل لغير الجاه والمال
وكنت في الشعر فذا لا يشق له
أدنى غبار وتعيي ناره الصالي
لك القوافي التي أعيت نظائرها
نوابغ الشعر أهل الشيح والضال
كم من شرود لعمري قد جررت بها
على جرير القوافي فضل أذيال
لها من الحضر الأكياس رقتهم
في لفظ بادية رواد أطلال
أدركت في اللغة العرباء منزلة
لها على كل فحل كل إدلال
كم يدعي الشعر قوم لو وزنت بهم
هدرت بحرا وساحوا سيح أوشال
قد يفقد الناس حقا في تواضعهم
ويحسب الصمت عيا عند جهال
وكم مجال به بان السكيت على
شأو المجلى وبذ العاطل الحالي
40
يعطيك حقك دهر لن تضيع به
إن الحقائق فيه غير أغفال
ما مر ذكرك في ناد وحاضره
لم يتبعوك ثناء غير بخال
ذكراك باقية في الناس سائرة
كما تضوع عرف المندل الغالي
إن طالما كانت الأحزان زائلة
مع الزمان فحزني غير زيال
جرح أتى حين شمس العمر قد دلفت
إلى الغروب ودانت بين آجال
ولوعة البين لا تنفك تسفع في
قلبي على مر أسحاري وآصالي
يا غرب لبنان ألق السمع وابك على
بكا غريب بأقصى الغرب نزال
41
فلم يعد في اندمال الجرح من أمل
وما بقى مهلة يسلو بها السالي
رثائي لفقيد العلم والوجاهة؛ اللغوي العلامة أحمد باشا تيمور - رحمه الله - وكانت وفاته سنة 1349:
يساورني طول الدجى وأساوره
ملال
42
وطرفي ساهد الليل ساهره
ولولا التقى ناديت يا حبذا الردى
وقلت: متى تلقى إلي بشائره؟
لعمرك ما بالعيش إرب لعاقل
توغل في علم الحقيقة خاطره
تسلسل آلام وترداد محنة
تراوحه في كربها وتباكره
وخيبة آمال وفقد أعزة
وبعد طوال السجن فالموت آخره
ليهنك يا تيمور أنك جزتها
إلى ملأ لا يعرف الموت زائره
وفارقت دارا لا يزال قطينها
يفكر في الهول الذي هو غامره
فإن تك عقبى الدار قسمة فاضل
فأقصى أمانيك الذي أنت صائره
تخطتك في ذا الخطب داعية الرثا
ولكنها صارت إلى من تغادره
جدير بأن يرثى الذين تركتهم
يصابر كل منهم ما يصابره
يسائل بعضا بعضهم: أين أحمد؟
وأحمد قد ضمت عليه حفائره
فأنى لهم تلك الخلائق بعده
وأنى لهم من ذلك الوجه ناضره؟
وأنى لهم تلك السكينة والنهى
إذا عصفت من أي خطب أعاصره
يريدون في ذا العصر ندا لأحمد
وأحمد فذ مفرد الخلق نادره
ينوحون نوح الثاكلات فكلهم
تدفق عن مثل السيول محاجره
على سيد في جنبه كل سيد
يظل ضئيلا باديات مفاقره
على ملك في صورة بشرية
تعدته من هذا الوجود صغائره
إذا ما جرى في أي ناد حديثه
تقول فتيت المسك شبت مجامره
حري بأن الشرق يظلم أفقه
لمنعاه والإسلام تبكي منابره
وتنكس رايات الفضائل كلها
عليه وترخى للكمال ستائره
فمن بعده للعلم تنشق حجبه
ويسلس عاصيه ويسهل واعره؟
وللغة الفصحى يصون ذمارها
وتملأ فيها الخافقين مآثره؟
صباباته في حسنها وسهاده
ومن كتبها أعلاقه وذخائره
وذوق جناها غبقه وصبوحه
وجوب فلاها روضه وأزاهره
أوابدها طرا لديه أوانس
وشردها من كل فن معاشره
أقام لسان العرب مما هوى به
ولولاه حتما ما أقيلت عواثره
43
ولو كان في عصر المؤلف لم يكن
لديه ابن منظور بكفء يناظره
ولو أنه وافى الصحاح مصححا
غلت فوق عهد الجوهري جواهره
وكان كتاب العين قد غاب جملة
عن العين لو أن الخليل معاصره
ولو كان في القاموس لجج
44
ما طما
وما كان إلا كالرقارق
45
زاخره
ولو أن رب التاج
46
عاش بعصره
لحل من التاج الذي هو ضافره
ولو شمل المصباح