تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فينا وفي الفردوس يوم العيد

لبس النهار به دجنة غاسق

ولقد يكون ضيا الليالي السود

ولى وخلف في ذويه من الأسى

حالا أشق من الحمام المودي

لو كان ينظر للحقيقة ناظر

فالموت للموجود لا المفقود

هذا يموت بكل يوم حسرة

إذ ذاك راح بيومه الموعود

يا أيها المحمود رفقا بالألى

دفنوك بين جوانح وكبود

قد كنت سباقا إلى حوض العلا

فسبقت نحو المورد المورود

والكل ركب سائرون وإنما

أهل النباهة فوق خيل بريد

رفقا بوالدك الكريم فقد وفى

شجو الفقيد بفرحة المولود

غادرت بعدك كل باك جفنه

يمتاح من بحر البكا بمديد

ومضيت قاصد جنة وتركتنا

من حزننا في النار ذات وقود

قد عز فيك الصبر لولا أنه

فرض وأن الحزن غير مفيد

قد كنت تفدي في مقام كريهة

لو أن ثمة موقفا لجنود

الموت حتم والمسافة بيننا

نزر وما من قادم ببعيد

يتخيل الإنسان أبعد مطمع

والموت منه مثل حبل وريد

لا تستحق من الهموم حياتنا

لو أنصف الأقوام غير زهيد

ما كان سفاح الدموع لفاجع

رأيا بمهدي ولا برشيد

لكن حق الطبع محكوم به

والعقل مرتبط ببعض قيود

يا ثاكل المحمود صبرا بعده

فبقاء أحمد سلوة المفئود

إن جل خطبك بالذي أثكلته

فالركن باق ليس بالمهدود

ومن الإله على الفقيد تحية

وفراق عاجلة لدار خلود

مهما تعاظمت الخطوب على الفتى

فعزاؤه في العدل والتوحيد

وتوفيت والدة نعوم باشا متصرف جبل لبنان، وكان صديقا لنا، فرثيتها وعزيت ابنها بالقصيدة التالية، وقد مضى عليها أكثر من أربعين سنة:

ألا هل لجفن ساهر الليل ساهد

تألف غمض منذ بينك شارد؟

وهل لشئون أن يؤمل غيضها

ومن دونها ما فاض صم الجلامد؟

وهل لفؤاد أن يرجى شفاؤه

بغير لغام الزفرة المتصاعد؟

وهل لشجي من سلو وقد ذكت

من الوجد في جنبيه نار المواقد؟

تبيت إذا دبت أساود ليله

حشاياه من أنياب رقش الأساود

وهل لرعاة النجم في مهمه الدجى

من الود إلا صحبة للفراقد؟

تحدر سيل الدمع طلقا عنانه

وألقت قلوب للأسى بالمقاود

وكيف يقاوي الدهر قلب مهلهل

يشف وذي آثاره في الجوامد

أباد الخوالي والبواقي رهائن

لديه فما باق به غير بائد

ولم يبق قلبا لم يصبه ولم يكن

يصاب وما يرمى بكف وساعد

تأمل فما في العمر غير مصائب

وما الناس إلا بين باك وواجد

ولو سبر الناس الأمور لأصبحوا

بأسرهم من فيلسوف وزاهد

وليس الجديدان اللذان تعاقبا

سوى جلمي

6

أعمارنا عند ناقد

وما اليوم إلا ما ينم على الورى

ولا الليل إلا للفناء بقائد

أهلته الأسياف في كل مفرق

وما تلكم الأسياف غير حدائد

وخطب لعمري لو أناخ بيذبل

لزحزح منه كل راسي القواعد

أناخ بأكناف الوزير فصده

من الصبر جيش مرصد للشدائد

وما كان مرزوءا بذلك وحده

وقد فت في عضد التقى والمحامد

أصيبت بأم برة فمصابها

مصاب يتيم قد خلا من مساعد

وقد كان يستسقى العهاد بذكرها

إذا أظمأ الوسمي أرض المعاهد

مضت لم يرنق من صفاها كدورة

ولا احتملت إصرا يجوز لعابد

ولو لم يكن والله من حسناتها

سواك كفاها ذاك دون زوائد

ولم يك فضل قد حوته بواحد

وإن تك ضمت كل فضل لواحد

لمستوزر من رهط عثمان بالغ

لعمرك من مولاه أسنى المقاصد

توليت من لبنان خطة شامخ

له شعفات لا تذل لماهد

فأنهجته من عدل حكمك شرعة

أعادته أعنى من وليد لوالد

وأوردته من عفة ونزاهة

بإقرار من يشنوك أصفى الموارد

فلو كلفوه أن يبثك شكره

لحياك من أغصانه كل مائد

لك اليقظة العظمى التي باتباعها

حللت محل النوم من جفن راقد

فإن كان لبنان يشاطرك الأسى

فكم من سرور نحوه بك وافد

تعز فكم من موقف لك صالح

وكم من جميل عن سليلك ذائد

رأيناك تأتي في أمورك كلها

من القصد ما يعيى على كل قاصد

فعال امرئ يخشى الإله بخلقه

ويعلم أن المرء ليس بخالد

فلا زلت محروسا من السوء راقيا

مراقي تلقى الشمس بين الحواسد

ولا زلت في كل الشئون مسددا

لخدمة سلطان البلاد المجاهد

مقامك منه ما أردت ولا تزل

رجا لصديق أو شجا لمعاند

وذكرك في الغبراء أسرى من الضيا

ديوان الأمير شكيب أرسلان · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ديوان الأمير شكيب أرسلانص ١٨