تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأسير في آفاقها من قصائدي

عندما توفي المرحوم عبد الله باشا فكري الشهير كنت في مصر، وكانت وفاته يوم عيد الأضحى سنة 1307، وهو صديق وفي للأستاذ الإمام، وكانت سبقت بيني وبينه مراسلة شعرية ذكرت في هذا الديوان، فرثيته بقصيدة نشرتها جريدة المؤيد، ولكني فقدتها أيضا من بين أوراقي، ثم وجدتها في كتاب الآثار الفكرية، وهي هذه:

إلى مثل هذا في الخطوب العظائم

أرى منتهى بطش الليالي الغواشم

وهل بعد هذا الخطب خطب نعده

مصابا بعلم أو بلاء بعالم؟

مصاب لما قد فات أنسى، ومأتم

به ختمت آلام سود المآتم

ولا غرو فيه فاجعا عم رزؤه

فموت رجال العلم موت العوالم

مصابيح في الدنيا إذا هي أطفئت

دجى الناس في ليل من الجهل قاتم

وأعلام رشد في البرية يهتدي

بها كل سار في المجاهل هائم

ولكنها الدنيا لعمري أولعت

بنكب العلا من عهدها المتقادم

يرجى التهاب النار بالماء عندها

وليس يرجي صفوها كل حازم

أحقا عباد الله ذا اليوم قد خبا

شهاب العلا واندك طود المكارم؟

وأن المعالي والمعاني فجعت

بخطب لسمر الخط والبيض ثالم

وما لشئون العلم سالت شئونها

على وجنات الفضل سح الغمائم؟

أجل مات من قد كان للفضل سيدا

بفاجئ خطب داهم أي داهم

قضى اليوم عبد الله فكري الذي سعى

لنيل المعالي منذ نوط التمائم

وخلفت الأقلام والصحف بعده

بحزن إلى يوم القيامة دائم

وأضحى به أضحى وقد كان يومه

ولذاته قد نغصت بالعلاقم

وباتت ثغور كن فيه بواسما

وغادرها ذا النعي غير بواسم

نعي سرى ملء المسامع وقعه

إذن لصحا من غفلة كل نائم

كذا فليكن غور الكواكب في الثرى

كذا فليكن غيض البحار الخضارم

مصيبة مجد أسكرت بسماعها

نهى الناس حتى أقعدت كل قائم

فقدنا أميرا كان غرة عصرنا

وحلية أجياد العلا والمعاصم

فقدنا أمير النظم والنثر راقيا

من الأمر أعلا ما ارتجت نفس رائم

فواها لأقوال له قد أعارها

سلاسته واللطف مر النسائم

ورقة ألفاظ صحاح أعارب

كساها بتفويف طراز الأعاجم

نظام مبان يخجل الروض بهجة

وصيد معان في شرود النعائم

محاسن روح ما ابتغت في زمانها

سوى الخير والمعروف يوما لآدمي

ولا وردت غير الشهامة موردا

ولا عرفت من أين باب المآثم

خلائق أمثال الرياض نواضر

تضوع منها عرف زهر الكمائم

وقد كان أذكى من سنا النار ربها

وأقطع رأيا من شفار الصوارم

فلما ثوى تحت الرغام وذللت

بمصرعه للعلم شم المراغم

بكته عيون المكرمات وأعلمت

عليه المعالي كيف نوح الحمائم

ولم أر خطبا مثله أوهن القوى

به وقد انحلت عقود العزائم

سأندبه لا زاخرا در مدمع

ولا سامعا في الحزن لومة لائم

ولا أنس عندي من نفائس لفظه

قلائد أغلى من لآلي العيالم

وكنت مللت الشعر حتى كرهته

وأصبح عندي في عداد المحارم

إلى أن قضت أوصافه برثائه

فأصبح عندي اليوم ضربة لازم

على أنني إن لم أكن قبل ناظما

أعد ولنطقي فيه مهجة ناظم

فمن وصفه در المحامد والثنا

ومن نوحه در الدموع السواجم

أيا راحلا عنا إلى الملك الذي

دعاه إلى عيش من الخلد ناعم

لعمرك هذي غاية الخلق كلهم

ولو عمر المخلوق عمر القشاعم

حباك إلهي كل روح وراحة

وجادت ثرى مثواك سحب المراحم

وإن لنا في نجلك اليوم سلوة

وتعزية يؤسى بها قلب واجم

يدوم لنا الشهم الأمين مؤيدا

ونسأل رب العرش حسن الخواتم

ثم رثيت صديقي المرحوم أمين بك فكري نجل العلامة المرحوم عبد الله باشا فكري بهذه القصيدة، وكانت وفاته سنة 1316ه (فسبحان الحي الذي لا يموت):

بقية مجد ودعت يوم ودعا

وآمال عز آن أن تتقطعا

ولم تنعه الأيام إلا وأدمجت

من الشرق شطرا في منيته معا

لقد جادنا نوء الزمان مصائبا

يلوح لنا أن مزنها ليس مقلعا

وسبحان من ساق الردى بوجوهه

فلقى لعمري الجمع والفرد مصرعا

7

إذا شن جيش النحس في القوم غارة

فما أجدر الأرزاء أن تتنوعا

وما كنت حتى اليوم أحسب دهرنا

إذا ساء لا يرتاد للعذر موضعا

ألم يكفه ما غال من كل غاية

وأفسد من معنى وعطل مرجعا

ديوان الأمير شكيب أرسلان · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ديوان الأمير شكيب أرسلانص ١٩