تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ناهيك بالرافعيين الذين لهم

من المآثر ما يستنطق الخرسا

الرافعين من الأعلام أرفعها

والخافضين من الأعداء ما رأسا

لقد رعوا تلعات المجد أجمعها

وجددوا من دروس العلم ما درسا

وآثروا من أيادي الفضل ما قربت

ثماره ومن العلياء ما قعسا

ساروا على أثر الفاروق جدهم

ولن يضل الذي من نوره اقتبسا

مثل السيوف المواضي في ضرائبها

صفا أقيمت لشرع المصطفى حرسا

وكل ذي أدب يبغي الكمال فمن

عبد الحميد يروم الإذن ملتمسا

الشاعر الفذ لو جاءت قريحته

تعارض العارض الهطال ما انبجسا

تغدو عذارى المعاني قيد خاطره

وطالما امتنعت عن غيره شمسا

من معدن كله صاف ولا عجب

من تلكم النفس نلقى ذلك النفسا

إني أقول وخير القول مجمله

لو جاء في عصره الكندي ما نبسا

هذي طرابلس الفيحاء حافلة

تختال في حلل من عيده وكسا

عيد لخمسين حولا قد تنجزها

في خدمة اللغة الفصحى صباح مسا

وقد أبت غربتي أني أرى وطني

وأن أشاهد فيه ذلك العرسا

| القسم الثالث

في مراثي العلماء والأدباء والكبراء

رثاء إمام اللغة وفارس ميدان الإنشاء الشيخ أحمد فارس الشدياق.

لما توفي إمام اللغة وفارس ميدان الإنشاء الشيخ أحمد فارس الشدياق كنت لا أزال في السابعة عشرة من العمر، وكنت معجبا بأسلوبه، فضلا عن صداقة قديمة بيننا - الأرسلانيين - وبين آل الشدياق، فلما جاءوا بتجاليده من الآستانة إلى بيروت، وصلي عليه في الجامع العمري الكبير تليت عليه مراث متعددة لشعراء الوقت، ومنها مرثية لي لم تذكر في ديواني الأول المسمى بالباكورة؛ لأن الباكورة كانت قد طبعت قبل وفاة أحمد فارس - رحمه الله - وقد فقدت من بين أوراقي هذه المرثية إلى أن عثرت عليها هذه السنة في رسالة نشرها الفاضل الدكتور فيليب الشدياق تتضمن ترجمة أحمد فارس، وهي هذه:

تمادت علينا بالخطوب الدوامس

ليال لها بالمجد عصف الروامس

1

وأصمت رجالا للزمان وإنهم

لنعم رجال الدهر شم المعاطس

أحقا عباد الله ذا اليوم أنه

وجوما قد اسودت وجوه المدارس

وأصبح مضمار البلاغة خاليا

لدن غاب عنه اليوم «أحمد فارس»

هو الفارس السباق في كل حلبة

تجمع فيها كل قرن ممارس

أجل مجل في رهان براعة

وأبتع

2

فرسان البيان المداعس

إذا صال لم يترك مصالا لفارس

وإن قال لم يترك مقالا لنابس

أقام منارا هاديا كل حائر

وأوقد نارا أمها كل قابس

غدا ذكره ملء الزمان ولم تكن

لآثاره الأيام غير فهارس

وشيد للفصحى قصورا شواهقا

على عفو هاتيك الرسوم الطوامس

لقد جابت الدنيا جوائبه

3

التي

بإنشائه كانت طراز المجالس

تبلج نور الشرق عن وجه سافر

بها وتثنى العصر عن عطف مائس

فمن لفصول كان يكسو بيانها

من الوشي والديباج أبهى الملابس

وآيات فضل كان يمحو بنورها

دجى الشك محو الصبح ليل الحنادس

فما كل من رام العلا أدرك العلا

ولا كل من يعلو السروج بفارس

وقلت أرثي المرحوم محمود بك نجل المرحوم إبراهيم فخري بك وشقيق صاحب السمو أحمد نامي بك:

يا عين مهما كنت ذات جمود

فلأبكينك دما على محمود

ولأمطرنك من الدموع سحائبا

تروينها عن كفه في الجود

ولأنت يا كبدي فمن نار الأسى

ذوبي ويا نار الضلوع فزيدي

ما كنت يا قلب الحديد فإن تكن

فالنار قد تلوي

4

بكل حديد

أتعز في محمود دمعة ناظر

لو كان فيه قسوة الجلمود

من بعد ما ملأ النواظر قرة

وغدا مسرة قلب كل ودود

ما كنت أحسب أن مثل جبينه

شرخ الشباب يعود طعم الدود

ما كنت آمل أن شعلة ذهنه

تعدو عليها اليوم كف خمود

ما كنت آمل أن نكباء الردى

تودي بغصن شبابه الأملود

وبكل نفس من أمائر نبله

إيماض بارقة ولمح شهود

سهر الليالي في وصال حقائق

والغير يسهر في وصال الغيد

ما غره زهو ولا حسب العلا

إلا بمجمع طارف وتليد

نظمت به زهر الخلال كأنها

في الخود عقد اللؤلؤ المنضود

ما كان من يمضي وهذا شأوه

في الست والعشرين غير شهيد

ما راع مثل القصف في شرخ الصبا

والقطف قبل حلاوة العنقود

5

يوم غدا في كل دار مأتما

ديوان الأمير شكيب أرسلان · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ديوان الأمير شكيب أرسلانص ١٧