تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا أحب أن أموت الآن.. لن أدخل هذا المكان الموبوء.

تمنيت أن أخرج من جسدي حين مررت بذاك القبر الكبير وأنا ألمح أمي وهي تركض وراءنا ناسية عمرها أمام حبها لي.

الجثث في الممر مازال فيها بعض النفس. والمراحيض مشغولة يدخل مريض ليخرج آخر يمشون وخلفياتهم منحنية إلى الخلف.

تدّب الحركة في ذاك المكان من المدينة لكنها حركة الموت وفي الخارج يسود صمت السيارات والباعة الذين ينعمون أو يبتلون في نوم عميق.

كنت أرتجف كورقة معلقة في فرع شجرة حين قرأت كلمة مكتوبة باللون الأخضر فوق الغطاء الأبيض الذي يستر جسدي-كوليرا.

خفت من أمي، ومن الطبيب، ومن يدي التي تنغرس فيها إبرة في الوريد أوردة زرقاء كديدان متوحشة. صرخت:

-أنا بردانة.... ولست مصابة.

لكنها القوانين الصحية، كلّ من يتقيأ مصيره هنا. أسلمت رأسي بيأس للوسادة كما الدجاجة حين تصير رقبتها بين كف البائع والسكين. لا جدوى من الرفض. أنا وجارتي على السرير الآخر أفرغنا ما عندنا من دموع، ثم ابتسمنا بسخرية وضحكنا حتى أسكتنا السعال.

وتساءلت من منّا السباقة إلى الموت؟!.

وأجبت ليس مجدياً أن يتسابق واحدنا للموت قبل الآخر، المهم أن ننشج في ناي الحياة حتى أخر لحن حزين. هي أيضاً تقيأت وصرخت في وجه زوجها وابنتها:

-هذا الإسهال من زيادة السكر... أخرجوني.

-لم يرد عليها أحد. وكأنها تصرخ في كابوس. لم يسمعها أحد غيري.

-آخ... كفرت بكل شيء حتى تلوثت نفسي وتلوث دمي... لا أؤمن إلا برقعة أرض ستضمني حتى وأنا ملوثة.

وقلت:

-إلى متى سيتحمل هذا الوطن... لقد كثر فيك الملوثون والمعذبون!

أجبرنا على شرب محلول ليس له طعم أو رائحة وبكميات كبيرة، وأنا أجبرت نفسي على الغرق في ذلك المحلول حتى صار يخرج من حلقي.

سفر في وريد مقطوع · الصفحة ٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سفر في وريد مقطوعص ٥٠