لا أذكر كيف نجوت من باب الموت. بدأت الحياة من جديد كما كل النساء أزور جارتي، تزورني، نثرثر عن الأخريات ونقلب فناجين القهوة. ثم نتخلص من صخب الأولاد بإخراجهم إلى الشارع يلعبون، يشترون... يزفرون وفي ليل ذبلت فيه جفوني خرج صوت لم يكن صوت الريح لكنه صوت أسمعه يخرج من عظامي. أصوات ضحكات وصرخات نبيلة سنة كاملة مرت على فراقنا. شعرت بحقد مؤقت نحوها. وعدتني بأن نكون صديقتين، وكذبت. صداقة جمعها الموت وفرقتها هي حين لم تحاول أن تهتف لي ولو مرة. حكت لي حبّها الأول. وجعها وفرحها، زواجها وإنجابها ثم إفلاسها بصرفها النقود في عيادات الأطباء. زوجها كان يعلم تماماً بأنه حين يقذفها بسرير في قسم الأمراض السارية لن تنجو أبداً.
يوم زرتها في بيتها كانت مازالت مريضة، منتفخة العينين والقدمين.
جهزّت القهوة بنفسي، تصرفت بالبيت بحرية وكأنه بيتي. تفرّجت على الصور ولكل صورة حكاية مغزاها الموت. أشعلت المدفأة ثم جددت لها الماء في الكأس.
لم تستمع لي حين سردت عليها حكايتي. بدأت تشخر وأنا أحادث الهواء الفاسد في الغرفة. غطيتها جيداً وقبل أن أغادر متعت نظري بالصورة المكبرة فوق سريرها. وجهان ملتصقان خد ناعم وخد آخر تغطيه لحية سوداء.
لم يدعني صوتها بسلام في تلك الليلة. امرأة عزيزة غزت مخيلتي بالغصب.
بحثت في ذاكرتي عن عنوانها. وفي سيارة الأجرة فكرت بابنتها الصغيرة هل دخلت المدرسة الابتدائية؟. ونبيلة ماشعورها حين ستجدني قبالتها بعد سنة. صعدت السلم إلى الطابق الثالث بخوف وقلق لم أعرف سببه صوتها يخرج من الجدران المقشرة من الرطوبة.
صورتها مازالت في رأسي الساخن، امرأة بفستان أحمر وطفلة تشتبك بها في عامها الأول.
امرأة واحدة وفساتين كثيرة لاصقت جسدها الفاتح.
أجل مازلت أذكر ألبوم الصور أماكن كثيرة ثابتة يحركها الزمن.
ضغطت الجرس بعصبية. وقفت قبالتي امرأة لم تكن هي... عيناها زرقاوان وابتسامتها مصطنعة. دخلت الصالون... أخذت ابنة نبيلة من يدها وضممتها.
أين الـ ماما.. نائمة؟.... طوال عمرها بتحب النوم.
صرخت المرأة في وجهي بينما خرج الزوج من الغرفة بعباءته. سلّم عليّ باحترام وأمر المرأة الشقراء بتحضير القهوة.
غاب قليلاً وخرج بكتاب (فن الطبخ) غضبت منه. يرد هديتي؟ تصرف لا يليق برجل محترم مثله.
لم تقرأه.
وقبل أن أشرب نقطة ماء تبلل حلقي، فتحت الباب وقبل أن أغلقه ورائي صرخ بعصبية.