تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي بيت أهلي كنت أهتز ألماً مع شاقول ساعة جدي التي ورثها والدي مع سرير من الحديد. فرحت أحياناً فكل يوم يمر دون مشاركته طعامه وغرفته ونرجيلته أعده انتصاراً عظيماً على نفسي وروحي المشدودة إليه، وحزنت أحياناً أخرى لأن الحياة قصيرة لا تستحق منّا هذا الفراق. لم يمضِ على زواجنا شهور كثيرة، الولد ينتظر في أحشائي للخروج إلى الحياة بين يدي أبيه.

اجتمع الأصدقاء وتدخل الأقارب كنت أريد العودة فأنا أحنّ إلى مطبخي.. لاشك أن الغبار يأكل النوافذ، وخيوط العنكبوت تلتقط أكبر قدر من الحشرات.

الروح تهفو اشتياقاً فأبكي، الكبرياء يطرحني الآن باردة على شرفتنا الضيقة في حينا القديم. من أجل أن أستمر سأعيش معه راضية، عليّ أن أكون كما يريد وعليه أن يكون كما يريد هكذا يشعرني برجولته، لا أحب الرجل الخجول الشقي أفضل، هذا ما تقول بعض الصديقات.

ولدّتني القابلة جارتنا، ألم الموت اختفى أول ما سمعت زعقة الطفل، وجهه كوجه والده، وفم صغير ينجذب بالفطرة ماصّاً قطرات الحليب بنشوة، زوجي حضر الآن يبدو مرتبكاً يبتسم بتصنع، يلف الخيط الأحمر حول إصبعه ثم يفرده، ويفركه بكفيه، يعثكله ثم يعيده بشكل مستقيم بدون شعور. أخذ الولد من بين يديّ ممعناً النظر في جسدي الممد على السرير قبل أن ينظر إليّ، قلت له بهمس: (مبروك عليك يا أبو كرم).

لم أتمالك نفسي، لأول مرة تخرج من جفوني دمعتي فرح أشعرتاني ببرودة صدري أمام سخونتهما. تركنا الطفل في سريره واقتربت منه ساحبة من بين أصابعه الخيط بهدوء، لففته حول إصبعي وفردته. نسينا الكبرياء وصرنا نصرخ كطفلين: (إنه لي... بل هو لي.. لي...)، حتى انقطع، فاتصلنا.

((((

أحزنتني... يا يوم اللقاء

الريح قوية تمرّ فوق الشارع العريض تصفع أوراق النخيل. حبّات البرد تطرق على البلور ولا أسمع سوى أنين موجع في بطني أثناء ليل مديد انقطع فيه التيار الكهربائي. تأوهت بصمت، تقيأت.

وآخر ما وعيت عليه أصوات ركلات أقدام على السلم وصوت أمي العالي.

كنت محمولة كطفلة في حضن أبي.

-انتظر... المكان خطر، أدخل زوجتك فقط...

سيارات الإسعاف تتحرك ويعلو زمورها أمام باب المشفى العريض وقف الكثيرون، وآخرون يركضون ببطء ماسكين بطونهم كلٌّ وحده. إلا أنا.

فقد قوبلت بعناية خاصة ربما لصغر سني. أخذني الممرض ووضعني فوق نقالة وصرخ لأمي:

اشربي حبة الدواء هذه، واتبعيني.

شدّت على يد والدي وكأنها تودعه للمرة الأخيرة.

سفر في وريد مقطوع · الصفحة ٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سفر في وريد مقطوعص ٤٩