تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دخلنا بالسيارة قاطعين شارعاً مغمسّاً بالمياه السوداء، مررنا بأزقة مظلمة ثم توقفنا أمام باب حديدي ضيق. غاب كفه في صدره مخرجاً ظرفاً صغيراً. كنت أرقبه منقّلة نظري بين الباب الحديدي والظرف مشدوهة كالبلهاء لدرجة أني نفذت ما طلبه مني بدون تفكير أو اعتراض.

قرعت الجرس مرتجفة أمام ضوء السيارة، ارتجف صوتي أيضاً عندما وقف أخوها أمامي بجسده الضخم سائلاً عن إسمي.

خرجت الفتاة من غرفتها عانقتني حتى اطمأن أخوها واختفى عن نظرنا.. -يا للوضاعة- قلت لنفسي.. إنها المراهقة بعينها، اهتززت في مكاني كباب من خشب تفتته الريح. ويعفنه سيل صنعه المطر. أرقب الاثنين كيف يمثلان الحبّ. همست لها وأنا أسلّمها الظرف أنْ تحذره، فضحكت واضعة الظرف في صدرها الثائر على قدره وسترته ولم ترد.

لو كان هذا الحبّ هو حبّه الأول لما حزنت كلّ هذا الحزن، لو كان يريد الزواج منها لسعيت له من أجل ذلك بكلّ طيب خاطر، أينام ويشاركني مغامرته المجنونة من أجل أن يلمحها في ثياب النوم؟!

كنت وإلى الآن مندهشة كيف تتعارض مقولات الكتب مع معظم البشر الساكنين فينا وحولنا...

أما بالشر القليل الذي يترسب كالرماد في مدفأة قلبي فإني أكتب "من ذكريات أخي الذي بدّل سياّرته بعربة للخضار، أخي القوي جداً.. الذي مارس تجربته ألف مرّة، بنفس الحماس، ونفس التمثيل والموهبة؛؛؛ فما أكثر الفئران أمام غباء العلماء..".

((((

الخيط

أجمل اللحظات التي أحترمها وأردد ذكراها لحظات الهمس الهادئة على الشرفة حين أشارك زوجي مصّ دخان النرجيلة في ساعة متأخرة من الليل ولكن للسعادة عمر تقف عنده في اليوم الأخير زرته في عيادته قبل أن يأتي البيت، شدّ انتباهي فنجانين من القهوة على الطاولة أحدهما مطبوع عليه آثار لأحمر شفاه. سألته، فبان كذبه، كدت أطرح الولد الساكن في رحمي. حملت حقيبتي فشدني من ذراعي. علق بيده القوية خيطاً خرّب معطفي الصوفي الأحمر. تكلم كثيراً مبرراً تصرفه السخيف بأن الفتاة صديقة قديمة تجمع بينهما معزة وأحاسيس بريئة، نصف الكلام لم أسمعه أرقب وجهه بعيون دامعة، أمسح بيدي بطني المتضخم والخيط في يده يشده يلفه حول إصبعه ثم يفرده بغير شعور وقبل أن أدعه وحده سألت نفسي "الممرضة لم ينتهِ دوامها.. أين غادرت وتركتهما هكذا معاً؟!" يا لرائحة العطر القوية النتنة حين تندمج مع رائحة الدخان الخارج من فمهما.

سفر في وريد مقطوع · الصفحة ٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سفر في وريد مقطوعص ٤٨