غير أن الأمور جرت على خلاف ما توقعه قره زوس، والماديون تغلبوا عليه وأسروه.
إن ملك الماديين أراد - في بادئ الأمر - أن يحرق قره زوس بالنار، غير أنه عدل عن هذه الفكرة بعد ذلك؛ بسبب سلسلة طويلة من الحوادث الغريبة المملوءة بالخوارق والمعجزات، عدل ملك الماديين عن إحراق قره زوس، وأمر بفك الأصفاد والأغلال التي كانوا قد كبلوه بها، عندئذ طلب قره زوس من الملك المنتصر أن يترك تلك الأصفاد بغية إرسالها إلى معبد دلفي، بقصد لوم الآلهة على عملها الشائن، وبعد أن حصل على الموافقة أرسل الأصفاد إلى المعبد المذكور مع وفد خاص، ووجه إلى الآلهة الأسئلة التالية: «هل يليق بالآلهة أن تخدع الإنسان؟ إنه لم يقدم على الحرب إلا بعد أن عرف منها بأن حربه ستنتهي بانقراض دولة الماديين، وبأن دولته هو ستستمر إلى أن يصبح البغل ملكا على الماديين، ومع هذا فإن الأمور قد جرت على عكس ذلك تماما؛ ها قد دالت دولته، كما أنه أصبح أسيرا في أيدي المنتصرين عليه. ألا تحمر وجوه الآلهة خجلا من هذه النتيجة الشائنة؟! هذا، وهل يليق بالآلهة أن تكون ناكرة الجميل إلى هذا الحد؟ إنه كان قدم لها كل تلك الضحايا وكل تلك الهدايا، وإنها - مع ذلك - قد سمحت للوقائع بأن تجرفه إلى هذا المصير المؤلم؟»
ولكن أجوبة الآلهة على هذه الأسئلة بواسطة الكاهنة جاءت مسكتة تماما: «لا يحق لقره زوس أن يتذمر مما حدث؛ لأن كل ما حدث لم يكن مخالفا لما كانت أنبأت به الكاهنة بوجه من الوجوه؛ فإن دولة كبيرة قد انهارت فعلا هي دولته هو، وذلك حدث حقيقة بعد أن أصبح البغل ملكا على الماديين؛ إن البغل الذي جاء ذكره في الكهانة هو الملك سرخس
Cyrus
نفسه؛ لأنه من جنسين مختلفين؛ من أم نبيلة من سلالة الملوك، وأب وضيع من الرعاع، فالذنب ذنبه هو لأنه أقدم على الحرب من غير أن يفهم معاني الكلمات التي قالتها الكاهنة. فلا يحق لقره زوس أن يوجه اللوم إلى الآلهة أبدا.»
يشرح أبو التاريخ هرودوت كل هذه الوقائع والكهانات بتفصيل يشبه تفاصيل الروايات القصصية تماما.
غير أن أخبار الكهانة في تاريخ هرودوت لا تنحصر بالقسم الباحث عن حياة قره زوس وحروبه وحده، بل هي تتخلل أبحاثه الأخرى أيضا.
إن الكهانة لعبت دورا هاما في موقعة «ثرموبولس» الشهيرة أيضا؛ على رواية هرودوت، لقد راجع الإسبارطيون كاهنة دلفي منذ بدء الحرب ليعرفوا مصير الأمور، فقالت الكاهنة: «إن صدمة الفرس ستكون عنيفة جدا، بحيث لا تستطيع أن تتحملها قوة الثيران أو قدرة الأسود، فلا بد من حدوث أحد الأمرين التاليين؛ إما أن تدمر المدينة المشهورة على يد أحفاد «برسه ثوس»، وإما أن تبكي إسبارطة موت ملك منحدر من نسل هرقل.» إن «ليونيداس»
Léonidas
الشهير ضحى بنفسه في تلك المعركة، بعد أن اطلع على هذه الكهانة؛ لأنه أراد - بعمله هذا - أن يحقق الأمر الثاني لكيلا يترك مجالا لحدوث الأمر الأول!
إن الكهانة قامت بدور هام جدا في معركة «سالاميس» أيضا؛ يروي هرودوت في تاريخه المشهور بأن الأثينيين أرادوا أن يستشيروا كاهنة دلفي خلال الحروب المادية، فأرسلوا وفدا لهذا الغرض. إن الكلمات التي سمعها الوفد من الكاهنة - في بادئ الأمر - كانت في منتهى الفظاعة؛ لأن الإله أجاب قائلا: «غادروا منازلكم، أخلوا حصونكم، واهجروا بلادكم فارين إلى أقاصي الأرض؛ فإن أثينا ستدمر تدميرا هائلا، وستصبح طعمة للنيران. «مارس» المخيف سيأتي على عجلة سورية، وسيخرب المدن والحصون. إن الآلهة تفزع من هول النكبة، والعرق يتصبب على تماثيلهم، وها قد بدا يقطر من سقف حرمهم دم أسود ينبئ بهول الكارثة التي تهددكم. اخرجوا أيها الأثينيون، وتسلحوا بالصبر والشجاعة أمام هذه الكوارث المقدرة.»
اغتم رجال الوفد من هذه التنبؤات الفظيعة غما شديدا، غير أن أحد نبلاء المدينة عندما رأى آثار الغم والكآبة التي استولت عليهم نصحهم بمراجعة الكاهنة مرة ثانية، حاملين أغصان الزيتون بصفتهم متضرعين. عمل الوفد بهذه النصيحة، ووجه إلى «آبولون» التضرعات التالية: «أيها الإله، بحرمة أغصان الزيتون التي نحملها بأيدينا، الطف بنا بحكم أكثر مساعدة لمقدرات وطننا، وإلا فنحن سوف لا نخرج من حرمك أبدا، وسنبقى فيه إلى أن نموت جميعا.»