أما الكاهنة الكبرى فقالت لهم عندئذ ما يلي: «إن باللاس لم يتوفق إلى إقناع زفس، ومع هذا فإليكم نصيحة أخرى ستكون النهائية: لقد سمح زفس لباللاس بجدار من خشب، فعندما يستولي الأعداء على جميع ما في بلادكم سوف لا يستطيعون أن يستولوا عليه أو أن يدمروه، فإنكم ستجدون السلامة فيه، فلا تنتظروا وصول جحافل المشاة والخيالة التي ستأتي لمهاجمتكم، بل اذهبوا واقلبوا لها ظهر المجن، سيأتي يوم تستطيعون فيه مقاومتها، وأما أنت يا سالاميس الإلهية فستفقدين أولاد النساء.»
هذه الكلمات ظهرت للوفد أكثر ملاءمة من الأولى، فكتبوا كل الكلمات التي سمعوها من الكاهنة، ثم عادوا بها إلى أثينا ونقلوها إلى الشعب.
غير أن الآراء اختلفت في تأويل هذه الكلمات، ماذا قصدت الآلهة من قولها «جدار من خشب»؟ بعضهم قال إن القصد من ذلك هو حصن المدينة؛ لأنه كان فيما مضى مدعما بالأخشاب، وبعضهم ذهب إلى أن المقصود منه هو السفن. والجميع تخوفوا من العبارة الأخيرة؛ لأنها كانت تدل في ظاهرها على أنهم سينكسرون في سالاميس إذا أقدموا على محاربة الأعداء بحرا، ولكن «تميستوقلس» عارض الجميع، وادعى عكس ذلك تماما، وقال: «إن النكبة المذكورة في العبارة الأخيرة تعود إلى الأعداء، لا إلى الأثينيين، وإلا لما قالت الآلهة سالاميس الإلهية، بل لقالت سالاميس التعسة.» ولهذا اقترح المشار إليه التهيؤ لحرب بحرية؛ لأن الجدار الخشبي الذي جاء ذكره في أقوال الكاهنة إنما يرمز إلى السفن التي تشترك في حرب بحرية.
والأثينيون عملوا في الأخير برأي تميستوقليس هذا ، فانتصروا على أعدائهم في موقعة سالاميس وفق تنبؤات الكاهنة.
إنني أعتقد بأن هذه الأمثلة كافية لإعطاء فكرة واضحة عن قوة إيمان هرودوت بالكهانة، وعن المكانة الخطيرة التي خصصها لها بين وقائع التاريخ، كما أعتقد بأنها تغنينا عن الاستشهاد بسائر مؤرخي اليونان. •••
أما الرومان فإنهم أيضا اعتقدوا بالكهانة، وعملوا بمقتضياتها في جميع أدوار تاريخهم الطويل، إنهم توغلوا بوجه خاص في التكهنات المستندة إلى معاينة أحشاء الحيوانات وأكبادها، وتتبع حركات الطيور وصرخاتها؛ ولذلك أخذوا يربون بعض الطيور والحيوانات في ساحات بعض المعابد وجوارها بقصد الاستفادة منها في شئون الكهانة عند مسيس الحاجة إليها، كما نقلوا بعض كتب الكهانة اليونانية إلى الكابيتول، وعهدوا بمهمة مراجعة تلك الكتب إلى جماعة منتخبة وفق تقاليد معينة.
وزيادة على كل ذلك فقد طبقوا «نزعة التقنين» التي امتازوا بها على شئون الكهانة أيضا، وقد عينوا - تارة بالعرف والتقاليد، وتارة بالأنظمة والقوانين - الأشخاص الذين «يحق لهم» و«يترتب عليهم» القيام بأمور الكهانة والعرافة في كل من الأسرة والمدينة والدولة.
ومعظم أباطرة الرومان كانوا يراجعون العرافين والكهان قبل أن يقدموا على تقرير الأمور الخطيرة، حتى إن مجلس السناتو نفسه كان يستشير «مجمع الكهان» في الكابيتول بصورة رسمية في بعض الأحيان.
فقد غالى الرومان في هذا المضمار مغالاة شديدة، حتى إنهم سنوا في الأخير - سنة 140ق.م. - قانونا يحتم مراجعة «مجمع الكهان» في الشئون الهامة.
إن التواريخ التي كتبها مؤرخو الرومان أيضا مملوءة بأخبار الكهانات. •••
إن المؤرخين القدماء عند اليونان والرومان لم يكتفوا بتسجيل أخبار هذا النوع من الكهانات، بل اهتموا بتسجيل بعض الحوادث العجيبة الخارقة للعادة أيضا؛ وذلك لاعتقادهم بأن جميع هذه الحوادث الشاذة - كحدوث الزلازل الأرضية، وثوران البراكين، وظهور الكواكب المذنبة، وولادة المسوخ الإنسانية أو الحيوانية - ما هي إلا إنذارات من الآلهة للإخبار بما سيحدث من الأمور الهامة في المستقبل القريب. إن مهمة الكهان والعرافين كانت تشمل تفسير وتأويل مثل هذه الحوادث والأحوال أيضا؛ لمعرفة الغيب واستكناه المستقبل.