تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غير أنه خلال أعمال المطاردة طاش سهم أحد المرافقين، فأصاب ابن الملك وأرداه قتيلا؛ فتحققت بذلك نبوءة الرؤيا.

وبعد موت ابنه الأول على هذا الوجه الفاجع؛ وجه قره زوس كل اهتمامه إلى ابنه الثاني، بطبيعة الحال ضاعف جهوده لمعالجته وتخليصه من علة البكم والصمم بكل الوسائل الممكنة، وفي الأخير رأى أن يستشير الآلهة بواسطة عرافة «دلفي»، وأوفد من يسألها متى سيتكلم ابنه؟ غير أن العرافة أجابت قائلة: «أيها الملك، لا تتمنى أن تسمع في قصرك صوت ابنك؛ فخير ألا تسمعه أبدا، لأنه سيتكلم في اليوم الذي ستبدأ فيه نكباتك.»

وقد صح - فيما بعد - ما تنبأت به العرافة تماما؛ لأن ابن قره زوس لم يتكلم إلا في اليوم الذي استولى الفرس على عاصمة ملكه، عندما هم جندي من جنودهم على قتل والده صاح الولد لأول مرة: «أيها الجندي، لا تقتل قره زوس!»

ولكن أخبار الكهانة بالمتعلقة بهذا الملك لا تقتصر على ما حدث بولديه، بل تشمل جميع صفحات الحروب التي قامت بينه وبين الماديين أيضا:

كان الماديون قد توسعوا توسعا كبيرا، وأخذوا يهددون بلاد اليونان، ففكر قره زوس بالتأهب لمحاربتهم، غير أنه - قبل الإقدام على ذلك - رأى أن يستشير الآلهة في هذا الشأن، كما أنه رأى أن يمتحن الكهان والعرافين قبل الإقدام على هذه الاستشارة، فوضع خطة متقنة جدا لهذا الامتحان.

لقد أرسل قره زوس وفدا خاصا لكل معبد من معابد الكهانة الموجودة يومذاك في بلاد اليونان وآسيا الصغرى وليبيا، وزود الوفود بالتعليمات التالية؛ على جميع الوفود أن تغادر العاصمة في يوم واحد، وأن تنتظر في المعابد التي أوفدت إليها حتى مرور مائة يوم كامل على تاريخ السفر. وفي ذلك اليوم تراجع كاهن المعبد، وتسأله السؤال التالي: «ماذا يعمل الآن قره زوس ملك السارديين؟» ثم تدون الأجوبة التي تتلقاها، وبعد ذلك ترجع قافلة لتسليم الأجوبة المكتوبة إليه.

لما عادت الوفود واجتمعت الأجوبة فتح قره زوس الكتابات وقرأها، ولم يكد يطلع على جواب كاهنة دلفي إلا آمن بقدرتها التامة على معرفة الغيوب؛ قالت الكاهنة، حالما دخل الوفد عليها قبل أن تصغي إلى سؤاله: «أنا أعرف أبعاد البحار وعدد رمالها، أنا أسمع الأبكم وأفهم من لا يتكلم، وها أنا الآن أشم رائحة سلحفاة غليظة الجلد تغلي مع لحم غنم طري، تحتها شبهان، حولها شبهان، وفوقها شبهان.»

وفي الواقع إن قره زوس كان قد قام بعمل غريب جدا لا يمكن أن يخطر على بال أحد أبدا؛ بعد مرور مائة يوم على سفر الوفود، استحضر سلحفاة وغنما، وقطعها قطعا قطعا، ثم وضعها في قدر وغطى القدر، وأشعل تحته النار، والقدر الذي استعمله لهذا الغرض العجيب كان من الشبهان! والكاهنة كانت عرفت كل ذلك، مع أن الوفود كانت غادرت العاصمة قبل مائة يوم من ذلك التاريخ، ومع أن هذه الأعمال والتفاصيل كانت في منتهى الغرابة والشذوذ.

بعد أن تأكد قره زوس - على هذا المنوال - من قدرة عرافة دلفي، قرر أن يستشيرها في أمر محاربة الماديين، ضحى للآلهة ثلاثة آلاف رأس من جميع أجناس الحيوانات الأهلية، وهيأ مجموعة كبيرة من الهدايا الثمينة، وأرسلها إلى دلفي مع وفد خاص لاستشارة الآلهة بواسطة الكاهنة.

عندما سألوا الكاهنة: «هل يجب على قره زوس أن يحارب الماديين؟» أجابتهم قائلة: «إذا حاربهم ستخرب دولة كبيرة.»

وعندما سألوها: «هل سيكون عمر دولة قره زوس طويلا؟» أجابتهم قائلة: «إن دولته ستعيش إلى أن يصبح البغل ملكا على الماديين.»

لقد سر قره زوس من هذه الأجوبة سرورا كبيرا؛ لأنه قال في نفسه: «إن البغل لا يمكن أن يصبح ملكا، إذن فإن دولتي ستعيش على مر الأيام، في حين أن دولة الماديين الكبيرة ستنهار حتما.»

وبناء على هذه الملاحظة أخذ يعد العدة لمحاربة الماديين بكل اطمئنان.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٨