تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما كتاب روح القوانين نفسه فلم ينته مونتسكيو من تأليفه ونشره إلا سنة 1748، وقد صرح في المقدمة التي صدره بها أنه اشتغل بتأليفه مدة لا تقل عن عشرين عاما.

لقد نال روح القوانين عقب انتشاره شهرة هائلة استوجبت إعادة طبعه أكثر من عشرين مرة خلال سنة ونصف السنة.

ولم يعمر مونتسكيو بعد الانتهاء من تأليف روح القوانين إلا سبع سنوات، ولم ينتج خلال هذه المدة شيئا غير «الدفاع عن روح القوانين»، الذي خطه سنة 1850؛ ردا على بعض الناقدين.

إن كتاب روح القوانين هو الذي خلد اسم مونتسكيو في تاريخ الأفكار والعلوم؛ لأنه يعتبر من أمهات الكتب التي تمثل أهم المراحل التي قطعها الفكر البشري في طريق تقدمه المستمر، كما يعد من جملة العوامل التي قوت في النفوس نزعة الحرية في النصف الأخير من القرن الثامن عشر، والتي حملت الناس على الثورة ضد الحكم الاستبدادي ثورة عنيفة. (4)

ينقسم روح القوانين إلى واحد وثلاثين كتابا؛ يبحث الكتاب الأول في القوانين بوجه عام، والثاني والثالث في أشكال الحكومات، والكتب الستة التي تلي ذلك تبين وجوب وضع القوانين بصورة ملائمة لأشكال الحكومات، ويبحث الكتابان التاسع والعاشر في علاقة القوانين بالقوة الحربية، والكتابان اللذان يليان ذلك في القوانين التي تنشئ الحرية السياسية، ويبين الكتاب الثالث عشر علاقة الجباية بالحرية، وتبحث الكتب الخمسة التي تلي ذلك في علاقة القوانين بالإقليم والأرض، وأما الكتاب التاسع عشر فيشرح علاقة القوانين بطبائع الأمم وسجاياها، وتبحث الثلاثة التي تلي ذلك في علاقة القوانين بعدد النفوس، والكتابان اللذان يليان ذلك في علاقة القوانين بالأديان، وأما الكتب الستة الباقية فتبحث في القوانين الرومانية والإقطاعية والفرنسية، وتشرح القواعد التي تجب مراعاتها في سن القوانين.

في جميع هذه الكتب يشير مونتسكيو إلى وقائع تاريخية عديدة، ويذكر نبذا كثيرة من القوانين القديمة والحديثة الموضوعة في البلاد المختلفة، ويبدي شتى الملاحظات حول تلك الوقائع والقوانين، ويسوق ملاحظاته هذه تارة في سبيل التفسير والتعليل، وطورا على طريق الاستحسان والاستقباح، وكثيرا ما يفرغها في قالب وصايا علمية ودساتير سياسية، موجهة إلى رجال الحكم والتشريع. (5)

يتبين من الخلاصة الآنفة الذكر - كما يظهر من عنوان المؤلف نفسه - أن الموضوع الأساسي الذي يتناوله مونتسكيو بالبحث والدرس في كتابه هذا هو «القوانين» و«الحقوق»، وإذا أردنا أن ننعت «روح القوانين» بالتعبيرات المألوفة الآن، نستطيع أن نقول إنه من نوع المؤلفات التي تعرف باسم «مدخل القوانين»، أو «فلسفة الحقوق»، أو «حكمة التشريع».

ومما يؤيد ذلك أن مونتسكيو نفسه قال - في «الدفاع عن روح القوانين»: إنه «تأليف سياسي صرف، وتشريعي خاص.»

Un onvrage de pure politique et de pure jurisprudence.

ومع هذا يحتوي «روح القوانين» على أبحاث كثيرة تتعدى حدود «فلسفة التشريع»، وتمت بصلة قوية إلى «فلسفة التاريخ». إن هذه الأبحاث هي التي تحاول تعليل طبائع الأمم، وتسعى لإظهار العوامل التي تؤثر في سير التاريخ.

إن أبحاث روح القوانين التي تتعلق بذلك تجتمع حول نظريتين هامتين: (أ)

نظرية تأثير الطبيعة والإقليم في طبائع الأمم وسير التاريخ. (ب)

نظرية تأثير الأحوال الاقتصادية في الوقائع التاريخية.

إن مونتسكيو لم يكن مبتكرا للنظرية الأولى؛ لأن «تأثير الطبيعة في الإنسان» كان صار موضوع أنظار الباحثين منذ عهد بقراط، فكثيرون من مفكري اليونان والرومان بحثوا فيها وكتبوا عنها، كما أن أحد مواطني مونتسكيو - «جان بودن» - كان قد تناول هذه القضية بالبحث والدرس في القرن السادس عشر، وسعى لإظهار تأثير الطبيعة والإقليم في طبائع الأقوام، ووقائع التاريخ بكل تفصيل.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٨٥