تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما النظرية الثانية فيزعمون أن مونتسكيو لم يكن مسبوقا فيها بأحد من الغربيين، ولهذا السبب يخصصون له مقاما ممتازا في تاريخ فلسفة التاريخ من وجهة هذه النظرية بوجه خاص. (6)

إن كل من يريد أن يقارن بين مونتسكيو وبين ابن خلدون - وبتعبير أصح بين «روح القوانين» وبين «مقدمة التاريخ» - يجب أن يقدم على ذلك من وجهة المباحث المتعلقة بفلسفة التاريخ، وعلى الأخص، من وجهة المباحث المتعلقة بعمل الاقتصاد في التاريخ، وتأثير الطبيعة في طبائع الأمم.

ذلك لأن الكتابين المذكورين يختلفان اختلافا كليا من الوجوه الأخرى.

إن روح القوانين يبحث من حيث الأساس في القوانين والشرائع، ولا يتطرق إلى مسائل التاريخ وفلسفة التاريخ إلا من وجهة علاقتها بالقوانين والشرائع، في حين أن مقدمة ابن خلدون بعكس ذلك، لا تلتفت إلى مسائل القوانين والشرائع، بل تسعى لدرس العوامل الاجتماعية، والتطورات التاريخية درسا مباشرا.

وزيادة على ذلك فإن روح القوانين مشبع بغايات سياسية عملية، والمسائل التي يعالجها ترمي - بوجه عام - إلى تقرير «السياسة المثلى»، في حين أن مقدمة ابن خلدون بعكس ذلك، تكاد تكون مجردة عن كل نزعة سياسية وعملية، والمسائل التي تسعى لحلها لا تخرج - عادة - عن نطاق «تقرير الواقع وتعليله».

ولهذا السبب رأيت من الضروري أن أحدد بحثي في روح القوانين بحدود النظريتين المذكورتين. (2) التاريخ والاقتصاد (1)

يشغل مونتسكيو في تاريخ فلسفة التاريخ وعلم التاريخ مقاما ممتازا من جراء الأهمية التي يعزوها إلى العوامل الاقتصادية في تكوين طبائع الأمم وتسيير وقائع التاريخ.

إن الباحث الإنجليزي «روبرت فلينت»

Flint - الذي وقف حياته على درس المؤلفات التي تحوم حول فلسفة التاريخ - خصص لمونتسكيو فصلا كبيرا في الكتاب الذي وضعه عن «فلسفة التاريخ في فرنسا».

استعرض فلينت في هذا الفصل الآراء والنظريات التي قال بها مونتسكيو في روح القوانين، وانتقد القسم الأعظم منها انتقادا لا يخلو من الشدة.

قال فلينت: «إن كل من يدرس روح القوانين دراسة جدية، يضطر إلى التسليم بأن التعميمات الخاطئة فيه كثيرة بقدر الصائبة، وبأن هذا الكتاب غني بالحقائق، ولكنه في الوقت نفسه مملوء بالأغلاط.»

والسبب في ذلك - على رأي فلينت - هو أن مونتسكيو لم يهتد في تأليفه هذا إلى خطة بحث علمية، فسار على طريقة مشوشة. إنه كدس الآراء فيها تكديسا من غير أن يوفق إلى تنظيمها تنظيما معقولا، والمعلومات الكثيرة التي جمعها في روح القوانين تنم عن روح بحث قوية، ولكن الطريقة التي عرض بها هذه المعلومات لا تدل على قوة تركيبية علمية، إذ كثيرا ما خلط بين «الحق» وبين «الواقع»، وقلما ميز بين «التفسير» وبين «التعليل».

ومع ذلك يرى فلينت أن مونتسكيو يستحق مقاما ممتازا جدا في «تاريخ فلسفة التاريخ»؛ وذلك بفضل المباحث التي كتبها عن الجباية والتجارة والنقود والنفوس في الكتب: 13، 21، 22، 23، 24 من روح القوانين. «لأن الكتب المذكورة تدخل عنصر الاقتصاد في التاريخ، وتؤدي بذلك خدمة عظيمة جدا.»

يؤكد فلينت أهمية هذه الخدمة، ثم يقول: «من الغلط أن يعزى شرف هذه الخدمة العظيمة إلى «تورغو»

Turgot ، أو «كوندورسه»

Condorcet ، أو «كونت»

Comte ، أو «ساسيمون»

Saint-Silmon

كما فعل بعضهم، فإن شرف ذلك يعود في الدرجة الأولى إلى «مونتسكيو».

لا ينكر روبرت فلينت أن معظم النظريات الاقتصادية التي قال بها مونتسكيو في روح القوانين بعيدة عن الصواب، ومليئة بالأغلاط، حتى إنه يعترف بأن تلك الآراء لا تخلو من التناقض أيضا في بعض الأحيان، ويوصي كل من يود الاطلاع على أنواع الأغلاط التي تتخلل تلك الآراء والنظريات بمراجعة ما كان كتبه «دستو دو تراسي»

Deslut de Téracy

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٨٦