إن روبرت فلينت كان قد قال - كما ذكرنا ذلك سابقا: «إن حق ابن خلدون في ادعاء شرف التسمية باسم مؤسس علم التاريخ أو فلسفة التاريخ، أثبت وأقوى من حق كل كاتب سبق فيكو.»
أما أنا فلا أتردد في القول - مستندا إلى الأبحاث والمقارنات الآنفة الذكر: إن حق ابن خلدون في هذا المضمار أقوى وأثبت من حق فيكو نفسه أيضا؛ وذلك ليس لأنه كان أقدم منه كثيرا فحسب، بل لأنه كان أقرب إلى الروح العلمية الحديثة، على الرغم من هذه الأقدمية أيضا.
| ابن خلدون ومونتسكيو
(1) حياة مونتسكيو وآثاره (1)
مونتسكيو
Montesquieu
من أشهر رجال الفكر والقلم الذين نبغوا في فرنسا في القرن الثامن عشر. ولد في قصر يقع بالقرب من مدينة «بوردو» سنة 1689، ومات في باريس سنة 1755.
كان والده من صنف النبلاء، فعمل كل ما يجب عمله لتعليم وتثقيف ابنه وفق تقاليد النبلاء في ذلك العصر.
وقد أظهر مونتسكيو شغفا شديدا بالدرس منذ صباه، أكمل دراسته الكلاسيكية بنجاح، ثم أكب على تعلم الحقوق، وصار عضوا في محكمة بوردو وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وبعد ذلك بسنتين أصبح رئيسا للمحكمة المذكورة، إذ ورث رئاستها عن عمه، كما ورث عنه - في الوقت نفسه - بارونية مونتسكيو، وصار يلقب لذلك بلقب «بارون دو مونتسكيو»، بعد أن كان يسمى إلى ذلك التاريخ - أي إلى سنة 1716 - باسم «شارل لويس دو برده»
De Bréde .
إن اسم «مونتسكيو» الذي اشتهر به هذا الكاتب المفكر، إنما هو مختصر من هذا اللقب الجديد. (2)
لقد انصرفت أولاع مونتسكيو في بادئ الأمر إلى نواح مختلفة، حتى إنه اشتغل عدة سنوات بمباحث طبيعية متنوعة، تحوم حول التاريخ الطبيعي، والتشريح، والطب، والفيزياء، غير أن جميع أولاعه تمركزت واستقرت في الأخير في السياسة والحقوق.
لقد أولع مونتسكيو بالكتابة أيضا، كتب ونشر مقالات كثيرة في مواضيع متنوعة، ولكن شهرته في عالم الأدب لم تبدأ إلا بالرسائل الفارسية
Lettres persanes
التي نشرها سنة 1721. كتب هذه الرسائل على لسان رجل فارسي متخيل، أتى إلى أوروبا سائحا، وأخذ يكتب إلى أحد أصدقائه سلسلة رسائل يصف بها مشاهداته وملاحظاته. لقد تستر مونتسكيو وراء هذه الرسائل الفارسية لنقد الكثير من النظم والتقاليد السائدة عندئذ، بلسان لاذع وأسلوب متهكم.
ولكنه كان يطمع في عمل أكثر جدية وأعظم أهمية من ذلك بكثير، كان يمني نفسه بتأليف كتاب «حقوقي سياسي» هام، فأخذ يعد نفسه لكتابة «روح القوانين»
Esprit des lois ، وقد رأى من الضروري أن يتفرغ بكليته لتحقيق أمنيته هذه، فباع رئاسة المحكمة التي كانت بعهدته،
1
وبعد ذلك أخذ يقضي جميع أوقاته بالبحث والمطالعة في قصر أسرته.
غير أن مونتسكيو أدرك بعد مدة وجيزة عدم كفاية المطالعة وحدها لتحقيق أمنيته، فقام برحلة إلى مختلف البلاد الأوروبية؛ بغية الاطلاع على النظم السياسية السائدة فيها. استغرقت رحلته هذه ثلاث سنوات - وذلك من 1728 إلى 1731 - وشملت البلاد الألمانية والإيطالية المختلفة، مع المجر والنمسا وسويسرا وهولاندا وإنجلترا، وقد قضى مونتسكيو معظم هذه المدة في المملكة الأخيرة، وتأثر بالنظم التي شاهدها هناك تأثرا كبيرا.
وحينما عاد من هذه الرحلة الطويلة لم يرغب في الاستقرار بباريس، بل رجع إلى قصر أسرته، وانزوى فيه، وأخذ يشتغل هنالك بالمطالعة والكتابة من جهة، وبإدارة شئون أراضيه من جهة أخرى، ولم يعد يذهب إلى باريس إلا من وقت إلى آخر لمدد قصيرة. (3)
وقد نشر مونتسكيو سنة 1730 كتابا بعنوان: «ملاحظات عن أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم». إنه كان شرع في إعداد هذه الملاحظات ليجعلها فصلا من تأليفه الأساسي «روح القوانين»، ولكنه حينما قطع شوطا في كتابتها لاحظ أنها توسعت توسعا كبيرا، فلم ير من المعقول اعتبارها فصلا من كتاب، فقرر أن ينشرها على شكل كتاب مستقل.