أما أنا فأقول لهؤلاء ولكل من يقدم على قراءة مقدمة ابن خلدون: يجب علينا ألا ننسى أبدا أن كاتب هذه المقدمة من رجال القرن الرابع عشر للميلاد، فيترتب علينا أن نتساءل: إلى أية درجة يحق لنا أن نؤاخذ هذا المفكر ونلومه على ما كتبه حول هذه الأمور، وفي هذا الصدد قبل مدة تزيد على خمسة قرون ونصف قرن؟
وللإجابة على هذا السؤال يجدر بنا أن نقوم بجولة سريعة بين التواريخ والمؤرخين؛ لنستعرض المواقف التي كان يقفها أسلاف ابن خلدون وأخلافه من المفكرين والمؤرخين تجاه هذه المسائل والأمور. (1) التاريخ والكهانة
إن جميع التواريخ والآثار القديمة تدل دلالة قطعية على أن الإنسان قد شعر - منذ أقدم الأزمنة - برغبة شديدة لمعرفة ما سيحدث في المستقبل، وأعتقد بأن هذه المعرفة من الأمور التي يمكن الوصول إليها بوسائل متنوعة وطرق شتى.
واليونان أنفسهم ساهموا في هذا الاعتقاد وحافظوا عليه، حتى في عهود ازدهار التفكير الفلسفي العقلاني
Rationalisme ، فقد اعتقدوا بأن الآلهة تبين مقاصدها من حين إلى حين، تارة ردا على أسئلة السائلين، وطورا من غير سؤال من أحد الآدميين، وأما الوسائط التي تستخدمها لإظهار مقاصدها، وإعلان إنذاراتها بهذه الصورة - على زعم اليونانيين - فقد كانت متنوعة جدا؛ الكهان، والطيور، والنسور، والصواعق، كانت من أهم تلك الوسائط وأعمها، فمعرفة المستقبل مما يتم بتفسير الكلمات التي تصدر عن ألسنة الكهان تحت بعض الشروط ومختلف الطقوس، أو بالاستدلال من صرخات الطيور وحركاتها، أو بملاحظة بعض العلائم التي تظهر في أحشاء القرابين، وعلى الأخص في أكبادها.
هذه المعتقدات أدت إلى تأسيس بعض المعابد المختصة بالكهانة، وكونت الكهان الاختصاصيين في استجواب الآلهة، وتعبير إنذاراتها المختلفة.
إن الاعتقاد بالكهانة والكهان على هذا المنوال ساد على أذهان اليونانيين بوجه عام، حتى إن معظم مفكريهم أيضا خضعوا لأحكام هذا الاعتقاد؛ ولذلك نجد أن الكهانة قد لعبت دورا هاما في تاريخ اليونان، حتى إن بعض المؤرخين ادعوا بأن كل «تاريخ اليونان بمثابة فصل كبير من فصول تاريخ الكهانات العام.»
L. de Gérin’Ricard, Histoire de l’occultisme p. 74.
والمؤرخون اهتموا اهتماما كبيرا بتسجيل أخبار الكهانة منذ عهد «هرودوت» الشهير، فإن التاريخ الذي خلفه لنا «أبو التاريخ» - مثلا - مملوء بأخبار الكهانات التي تتخلل جميع الوقائع، على صور شتى:
يبدأ هرودوت تاريخه هذا بترجمة حياة «قره زوس»
Crésus ، ويقص لنا أخبار الكهانات التي أحاطت بحياة هذا الملك العظيم في كل صفحة من صفحاته المتتالية:
كان لقره زوس ولدان؛ الأول كان ذكيا سليم الحواس، ولكن الثاني كان محروما من نعمة السمع والكلام.
ولما كان الملك نائما في ليلة من الليالي زاره «الحلم» (هذا تعبير هرودوت نفسه) زاره الحلم، وأنبأه بمصير ابنه الأول؛ قال له «إنه سيموت مجروحا بطعنة حديدة حادة.» فلما استيقظ الملك قره زوس فزع من هذا الحلم فزعا شديدا، وأسرع في اتخاذ كل التدابير الممكنة لصيانة حياة ابنه الغالية على ضوء هذا النبأ المخيف؛ أبعد جميع الآلات الحادة، وجميع وسائل الحرب من أبهاء القصر، وأقدم على تزويج ابنه حالا، وقطعه عن أعمال الحرب وقيادة الجيش، غير أن كل ذلك لم يجده نفعا، فقد راجعه بعد مدة وجيزة جماعة من الفلاحين باثين له شكواهم من خنزير بري أخذ يلحق بهم أضرارا فادحة، واسترحموا منه أن يوفد ابنه مع جماعة من الصيادين؛ لاقتناص الخنزير وتخليصهم من شروره، امتنع قره زوس عن إيفاد ابنه في بادئ الأمر بحجة زواجه الجديد، ووعد القوم بإرسال أمهر الصيادين لتخليصهم من النكبة التي ذكروها، غير أن الابن اعترض على والده، ورغب في الالتحاق بالجماعة، فاضطر الوالد عندئذ إلى مكاشفة ابنه بقصة الرؤيا، ولكن الابن حينما اطلع على تفاصيل الحلم قال له إن الحلم قد أخبرك بأنني سأموت بتأثير حديدة حادة، على أن قرون الخنازير ليست من الحديد، فلا محل للتخوف منها، وبعد هذه المحاورة سلم قره زوس بإصابة رأي ابنه فوافق على ذهابه لاقتناص الخنزير.