تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن هذا التدبير - تدبير اتفاق الأبساء فيما بينهم - أصبح غير كاف لكبح جماح الخدم بمرور الزمن؛ إذ إن هؤلاء الخدم أيضا اتفقوا فيما بينهم، وأخذوا يتقدمون ببعض المطاليب، ويضطرون النبلاء إلى إجابة طلباتهم من حين إلى حين. وفي الأخير حينما قوي ساعدهم شاركوا النبلاء في الحكم، فتأسس بذلك «الحكم الديمقراطي».

إن اشتراك الخدم والعوام في الحكم - على هذا المنوال - أدى إلى تفشي الفوضى بعد مدة من الزمن، عندئذ ظهر رجل قوي شديد البأس، وقبض على زمام الأمور، وأعلن نفسه ملكا، وصار يسود على العوام والنبلاء على حد سواء، فتأسس بذلك «الحكم الفردي»، أو «الحكم الملكي». (7)

يسرد فيكو ويشرح هذه الآراء والنظريات المختلفة في عدة محلات من كتابه، بتعبيرات وأساليب متنوعة، ويقدم لبعضها أمثلة وأدلة مختلفة، كلها مستقاة من أساطير اليونان ومن تاريخ اليونان والرومان.

إن جميع الأمم اعتقدت ب «جوبيتر» تحت أسماء مختلفة، كما اعتقدت بابن جوبيتر «هرقلس» أيضا بأسماء متنوعة. والسيكلوب

Cyclopes

الذين تذكرهم الأساطير اليونانية، هم - في حقيقة الأمر - العمالقة الذين التجئوا إلى المغارات.

وأما الأسطورة القائلة بأن جوبيتر «صرع السيكلوب» فهي ترمز إلى واقعة حقيقية؛ واقعة انصعاق العمالقة من جراء الرعد والبرق، والتجائهم إلى المغارات، واضطرارهم إلى تغيير أساليب حياتهم تغييرا كليا.

والأسطورة القائلة بأن «جونون» زوجة جوبيتر وأخته، حتمت على هرقلس أعمالا جبارة، فهي أيضا ترمز إلى واقعة حقيقية؛ إنها تدل على أن قدسية الزواج ربت الإنسان على الفضائل العالية.

إن قصة «ديانا» أيضا تعبر عن واقعة تاريخية؛ إنها تمثل حياة الطهر التي بدأت بعد تأسيس نظام الزواج، إذ من المعلوم أن ديانا كانت تلتجئ إلى الظلام لتقترن ب «آنديميون» حسب أساطير اليونان، والظلمة المذكورة في هذه الأسطورة ما هي إلا ظلمة المغارات، التي صار الإنسان لا يقترن بالمرأة إلا فيها بعد التجاء العمالقة إليها.

وهكذا يجد فيكو في أساطير اليونان سلسلة طويلة من الدلائل على صحة آرائه ونظرياته في هذا الصدد. (8)

يطبق فيكو هذه الآراء على تاريخ اليونان والرومان، وتاريخ القرون الوسطى أيضا.

إن دور الأبطال لم يستمر مدة طويلة عند اليونان؛ ذلك لأن ظهور الفلاسفة عندهم عجل أمر انتقالهم من الدور الإلهي إلى الدور البشري، من غير أن يتركهم يهيمون مدة طويلة في الدور البطولي.

ولكن الوقائع سارت بنظام أكثر من ذلك عند الرومان؛ فطال الدور البطولي مثل الدور الإلهي، وعندما وصل القوم إلى الدور البشري، كانوا قد نسوا الدور الإلهي؛ ولذلك سموا الدور المتقدم على الدور البطولي باسم «الدور المظلم».

وأما تاريخ القرون الوسطى فهو أيضا يؤيد - على زعم فيكو - نظرياته هذه؛ ففي أوائل القرون الوسطى عاد الإنسان إلى بربرية جديدة شبيهة بالبربرية الأولى، كما أنه اجتاز دورا إلهيا جديدا، هو الدور الذي تولى فيه الملوك الرتب الدينية، ووقفوا ذواتهم الملكية إلى خدمة الله. وقد أعقب هذا الدور الإلهي الثاني دور بطولي جديد، عندما نشأت الفروسية ونشبت الحروب الصليبية، وأما دور الحضارة الثانية الذي كان مستمرا في عهد فيكو، فلم يبدأ إلا بعد انقضاء الدور البطولي الآنف الذكر.

4 (1)

إن الآراء والنظريات التي لخصناها آنفا تدل دلالة واضحة على أن فيكو لم يتبع في أبحاثه طريقة استقراء الحادثات، ولم يتقيد في تفكيره بقيود الواقعات.

إن ذلك نتيجة طبيعية للخطة التي وضعها، والطريقة التي قررها، والنظرية التي قال بها في شأن طبيعة الحوادث الاجتماعية.

من الحقائق الثابتة التي لا مجال للشك فيها - على زعم فيكو - «أن العالم الاجتماعي من صنع الإنسان»، فمن الممكن، بل من الضروري البحث في أصول التطورات التي تحدث في عالم الاجتماع، بالنظر إلى ما يحدث في النفس البشرية، «فيجب أن نعجب كل العجب، من الفلاسفة الذين يحاولون بكل جد أن يعرفوا عالم الطبيعة، ثم هم يهملون التأمل في عالم الاجتماع، إنهم يحاولون أن يعرفوا عالم الطبيعة، مع أنه من صنع الله، ومع أن الله خص علم ذلك العالم بنفسه الصمدانية، ويهملون التأمل في عالم الاجتماع مع أنه في استطاعة الإنسان أن يعرف هذا العالم؛ لأنه من صنعه» (ص67).

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٧٨