ولهذا نجد أن فيكو يبحث في أصول العلم الجديد من غير أن يتقيد بكتب التاريخ، حتى إنه يقرر - أوليات التاريخ في مصر والشرق - «استنادا إلى حكم العقل وحده، من غير أن يرجع إلى الأخبار الواردة في هذا الشأن» (ص273).
وذلك لأنه يعتقد أن «من يتأمل في العلم الجديد، يكون قد خلق موضوع بحثه بنفسه، فيستطيع أن يعرف حقيقة ذلك الموضوع بصورة مضبوطة تماما.»
إن «العلم الجديد» ينحو نحو الهندسة من جميع الوجوه؛ من المعلوم أن المفكر الرياضي - في أبحاثه الهندسية - يتصور عالم الأبعاد والأشكال، ويتأمل فيه في الوقت نفسه، وبتعبير آخر إنه يخلق ذلك العالم، ويبحث فيه في وقت واحد. إن عمل المفكر في العلم الجديد لا يختلف عن ذلك أبدا.
ولهذا السبب يخصص فيكو فصلا كبيرا من فصول كتابه الأول لسرد «الحقائق الأولية والبديهية» التي يستند إليها «العلم الجديد»، أسوة بما يفعله الرياضيون في كتب الهندسة. (2)
إن عدد الحقائق الأولية التي يذكرها فيكو - ويطلب التسليم بها مقدما - تبلغ أربع عشرة ومائة.
ندرج فيما يلي ثلاثة نماذج من تلك «الحقائق الأولية والبديهية»؛ لكي نعطي فكرة واضحة عن مناحي تفكير فيكو في هذا الصدد:
إن الله منع العبرانيين عن الكهانة، هذا المنع هو أساس دينهم، في حين أن الكهانة تكون أساس المجتمع عند جميع الأمم الوثنية؛ ولذلك انقسم العالم القديم إلى قسمين أساسيين؛ عبراني وأجنبي (رقم 24).
إن تاريخ اليونان الذي حفظ لنا كل ما نعرفه عن العالم الوثني القديم - باستثناء الرومان - يبدأ من عهد الطوفان ومن دور العمالقة، هذه العنعنة تقسم الجسم البشري إلى نوعين أصليين؛ نوع العمالقة ونوع الإنسان ذي القامة الطبيعية، أي نوع الأجانب ونوع العبران. إن هذا الاختلاف لا يمكن أن يتأتى إلا من تربية الأولين البهيمية، وتربية الآخرين الإنسانية، فيمكننا أن نستنتج من ذلك أن أصل العبرانيين يختلف عن أصل غيرهم من الأمم (رقم 27).
إذا سلمنا - والعقل لا يمتنع عن التسليم بذلك أبدا - إذا سلمنا أن الإنسان بعد الطوفان سكن الجبال أولا، فسيكون من الطبيعي عندئذ أن نقول إنهم نزلوا السهول بعد مدة من الزمن، وبعد مدة طويلة جدا، وثقوا بأنفسهم إلى حد الانتقال إلى سواحل البحار (رقم 97).
5 (1)
إن فكرة الديانة ونظرية القدرة الصمدانية والعناية الإلهية تلعب دورا هاما في «العلم الجديد»؛ يسخف فيكو بالفلاسفة والعلماء الذين لا يعترفون بالقدرة الصمدانية، أو يبحثون في الحياة الاجتماعية من غير أن يأخذوا بنظر الاعتبار العناية الإلهية - أمثال «بوفندورف»، و«غروتسيوس» - لأنه يعتقد أن الحياة الاجتماعية لا تنفك عن الديانة، ويدعي أنه لولا الدين لما وجدت الحياة الاجتماعية.
ولذلك نراه يكثر من ذكر الله وعناية الله في كل فصل من فصول كتابه، وفي معظم أبحاثه، فإنه تارة يلتجئ إلى فكرة الألوهية لشرح الوقائع التاريخية، وطورا يتخذ الوقائع التاريخية برهانا على العناية الإلهية.
ويقول مثلا - عندما يتكلم عن ضخامة جثة العمالقة بعد الطوفان: «علينا أن نعجب بالعناية الإلهية التي سمحت للإنسان الأول أن يكتسب تلك الجثة؛ لكي يتمكن من التغلب على الحيوانات المفترسة، فيستطيع أن يعيش في وسط تلك الطبيعة القاسية.»
وعندما يشرح نشوء الوثنية يقول: «لقد سمحت العناية الإلهية للإنسان الأول بأن يقع في هذا الضلال، فيخاف غضب آلهة موهومة، ويعتقد بالكهانات الباطلة؛ لكي يجد في ضلاله هذا مبدأ سلوك ونظام، في ذلك الدور الذي كان غير قادر فيه بعد على تمييز الحق من الباطل.»
وعندما يتكلم عن تكوين العائلات يقول: «لقد أمرت القدرة الصمدانية بتكوين دولة العائلة بواسطة سلطة الآباء، من غير أن تلتجئ إلى استبداد القوانين.»
وهكذا يلتجئ فيكو في معظم مراحل تفكيره وتعليله إلى فكرة العناية الإلهية، ويوصل نزعته هذه إلى أقصى حدودها حينما يقول: «لقد بحث الفلاسفة عن دلائل القدرة الصمدانية والعناية الإلهية بين مشاهد الطبيعة، وفاتهم أن تلك القدرة والعناية تتجلى بأجلى مظاهرها في الحياة الاجتماعية. فالعلم الجديد يسعى إلى تلافي هذا النقص بإظهار وتبيين دلائل عناية الله من خلال وقائع التاريخ، فهذا العلم بمثابة «لاهوت مدني»، يبرهن على العناية الإلهية بالوقائع التاريخية» (ص84). (2)