تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه كانت البذرة الأولى في سبيل توليد «الديانة والكهانة» في وقت واحد. (3)

إن الفزع الذي استولى على العمالقة من صوت الرعد والبرق حملهم على الالتجاء إلى المغارات، والانقطاع عن حياة التنقل والتشرد، كما أنه جعلهم يتحاشون مجامعة النساء تحت بصر السماء، فصار كل واحد منهم يأخذ امرأة إلى مغارة، ويحتفظ بها لنفسه، ويعيش معها بمفرده. وبهذه الصورة تأسس نظام الزواج، ونشأت عادة العفاف.

إن معيشة رجل مع امرأة واحدة داخل مغارة على هذا الوجه، أدى إلى بقاء الأولاد مرتبطين بالآباء والأمهات؛ فتكونت بذلك الأسر الأولى من الأب والأم والأولاد.

وعندما انقطع العمالقة عن حياة التشرد بهذه الصورة، أخذ كل واحد منهم يزرع الأرض القريبة من مغارته مشتركا مع أفراد عائلته، وبدأت بذلك الزراعة من جهة، وملكية الأرض من جهة أخرى.

إن هذه الحياة الهادئة والتربية المستقرة لم تخل من التأثير على جثة العمالقة وقامتهم أيضا، فإنهم أخذوا يفقدون بالتدريج ضخامة الجثة، إلى أن اكتسبوا القامة الاعتيادية اللائقة بالإنسان. (4)

وكان من نتائج هذه الانقلابات كلها أن تكونت المجتمعات البشرية الأولى على الجبال، في المغاور المتفرقة في سفوحها، وكان قوام كل مجتمع من هذه المجتمعات عائلة واحدة مؤلفة من الأب والأم والأولاد، وكان هذا المجتمع الابتدائي دويلة منعزلة، يرأسها أمير واحد هو الأب، وكان الأب يتمتع بسلطة مطلقة تجاه جميع أفراد العائلة، إنه كان الآمر والناهي الوحيد الذي يتصرف في جميع شئونها، ولكنه كان يستند في أوامره ونواهيه هذه إلى تكهناته عن مقاصد الآلهة، فالأب في هذه المجتمعات الابتدائية لم يكن أبا فحسب، بل كان بمثابة الملك والكاهن أيضا.

إن جميع الانقلابات التي شرحناها آنفا بدأت - على رأي فيكو - ببدء العواصف، ونشأت من تأثير الرعد والبرق في أذهان العمالقة البسطاء. (5)

غير أن هذه التطورات لم تشمل جميع أبناء البشر في وقت واحد، عندما كان بعض العمالقة - وهم الذين كانوا على الجبال - يلجئون إلى المغارات، ويتطورون التطورات التي شرحناها آنفا، بقي القسم الآخر منهم - وهم الذين كانوا يهيمون في السهول - على ما كانوا عليه من التشرد مدة أخرى.

ولكن هذا القسم من أبناء البشر عندما شاهدوا النتائج التي حصل عليها أفراد القسم الأول، أخذوا يلتجئون إليهم، ويعرضون خدماتهم عليهم؛ فصاروا ينضمون إلى جماعة العائلة بصفة خدام وموال. فتوسع بذلك نطاق العائلات، وأصبحت كل واحدة منها مؤلفة من الأب والأم والأولاد، مع عدد من الخدم والموالي الملتجئين إليها.

إن هؤلاء الخدام الملتجئين صاروا يشتركون في زراعة الأرض من غير أن يمتلكوها، ويخضعون لسلطة الأب المطلقة، مثل أفراد العائلة الأصلية. وبذلك توسعت سلطة الآباء، وأخذت تشمل جماعة من الناس، علاوة على الأم والأولاد، فأصبح الآباء بمثابة رؤساء بكل معنى الكلمة؛ ولذلك سموا باسم الأبساء.

1 (6)

إن نظرية «توسع العائلة» على هذا الوجه بانضمام الخدم الملتجئين إليها لمن الأمور التي يهتم بها فيكو اهتماما خاصا، إنه يعتبرها من أهم الحقائق التي اهتدى إليها في علمه الجديد، ويحاول أن يستنتج منها سلسلة طويلة من النتائج والوقائع الهامة.

إن هؤلاء اللاجئين قاموا بالخدمة المطلوبة منهم - في بادئ الأمر - عن طيبة خاطر؛ لما وجدوا في هذه الحياة الجديدة من الراحة والطمأنينة بالنسبة إلى حالتهم السابقة، ولما اعتقدوا بأن الأبساء لم يكونوا من طينة اعتيادية.

غير أنهم بعد ذلك بدءوا يتذمرون من وضعهم، وأخذوا يحاولون العصيان على أسيادهم؛ عندئذ اضطر الأبساء إلى الاتفاق فيما بينهم ليتمكنوا من مقاومة مطاليب الخدم، وتكونت بذلك «الجماعات السياسية» التي تتألف من عدة عائلات؛ ألف الأبساء فيها طبقة النبلاء، وألف الخدم طبقة العوام. فتحددت عندئذ سلطة كل أبيس من الأبساء بسلطة مجلس النبلاء، وتأسس «الحكم الأرستقراطي» على هذا المنوال.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٧٧