يتمسك فيكو بأهداف هذه الآراء والروايات القديمة تمسكا شديدا، ويتخذها أساسا لتفلسفاته في سير التاريخ، إنه يعمم هذه الأدوار الثلاثة على جميع الأمم في جميع العصور، ثم يمزجها بمذهب «الدورات»
Cycles
الذي كان يقول به الفيثاغوريون، ويوجد بذلك نظريته الأساسية في حياة الأمم.
يدعي فيكو بأن التاريخ العام يجتاز ثلاثة أدوار؛ الدور الأول هو دور الآلهة أو الدور الإلهي، وهو الدور الذي يستند فيه الحكم إلى الدين مباشرة، وتجري فيه الأوامر والنواهي حسب ما يعتقد بأنه مشيئة الله أو الآلهة.
الدور الثاني هو دور الأبطال أو الدور البطولي؛ وهو الدور الذي يكون فيه الحكم بيد أبطال أشداء ومحاربين، يعتقد الناس بأنهم من طينة غير طينة الإنسان العادي.
وأما الدور الثالث فهو الدور البشري الذي تتأسس فيه الحضارة بأشكالها المعلومة.
إن هذه الأدوار تتوالى على شكل دائرة تامة، حيث يتصل منتهى الدور الثالث بمبدأ الدور الأول، فكل أمة من الأمم تنتقل في تاريخها من دور الآلهة إلى دور الأبطال فدور البشر، وعندما تبلغ غايتها من الدور الأخير تعود مرة أخرى إلى دور الآلهة، وتبدأ بذلك دورة جديدة على هذه الدائرة الأزلية الأبدية.
قد تتوقف الأمم في ناحية من نواحي هذه الدائرة في دور من هذه الأدوار، غير أنها لا تستطيع أن تخرج من نطاقها أبدا.
هذه هي الدائرة الأزلية التي رسمتها القدرة الصمدانية للأمم، والتي اكتشفها العلم الجديد بفضل تأملات فيكو، هذه هي الدائرة التي تدور عليها تواريخ جميع الأمم في جميع القرون.
إن جميع المساعي التي بذلها فيكو في العلم الجديد تحوم حول هذه النظرية الأساسية، وترمي إلى شرح وتفصيل وتعليل هذه الأدوار الثلاثة في حياة الأمم.
3 (1)
يبدأ فيكو قصة التاريخ العام من الطوفان؛ إن أبناء نوح بعد الطوفان لم يسيروا على وتيرة واحدة، ولم يسلكوا مسلكا متماثلا، بل إن سلوك أولاد سام اختلف عن سلوك أولاد حام ويافث اختلافا كليا؛ فإن أولاد سام بقوا حيث كانوا، فحافظوا على لغاتهم، واعتقاداتهم، وسائر خصالهم البشرية، غير أن أولاد حام ويافث تشتتوا في أنحاء الأرض؛ فتباعدوا بذلك عن الخصال البشرية تباعدا كليا.
كانت الأرض مستورة عندئذ بغابات كثيفة جدا، فانتشر أولا حام ويافث في هذه الغابات إلى جميع الجهات؛ هربا من مطاردة الحيوانات المفترسة، وانتجاعا للماء والغذاء، وسعيا وراء النساء اللاتي كن لا يستسلمن إلى شهواتهم. وعلى هذا الوجه صاروا يعيشون عيشة بهيمية، نسوا خلالها لغاتهم وأديانهم، وفقدوا جميع مزاياهم البشرية، فانحطوا إلى دركة البهائم تماما، حتى إن قامتهم نفسها تباعدت عن القامة البشرية المألوفة، وعادت إلى ما كانت عليه من الضخامة قبل الطوفان؛ فأصبح كل فرد منهم عملاقا. وانقسم البشر لذلك إلى قسمين أساسيين، يختلف الواحد عن الآخر من حيث الأصل والنسل أيضا اختلافا جوهريا؛ القسم الأول كان العبران، والقسم الثاني كان العمالقة.
عاش العمالقة في الغابات منفردين متوحشين، ومسترسلين في شهواتهم البهيمية، من غير أن يقيدوا أنفسهم بقانون أو دين. (2)
واستمر الحال على هذا المنوال إلى أن جفت الأرض من مياه الطوفان، فأخذت تصعد الأبخرة التي تكون العواصف، وتحدث الرعد والبرق، وتنزل الصواعق. إن حدوث هذه الأنواء الهائلة - لأول مرة - أثر في نفوس العمالقة تأثيرا عميقا، وأدهشهم دهشة شديدة: «بين غيوم هذه العواصف الأولى، وعلى ضوء هذه الأنواء البارقة» (ص117)، علم الإنسان وجود قوة عليا، وسماها «جوبيتر».
وصار هذا مبدأ انقلابات عظيمة جدا في حياة هؤلاء العمالقة، لقد تصور العمالقة هذه القوة العليا عن طريق قياس النفس، وظنوا أن هذه القوة الجبارة تعود إلى شخص مثلهم، يعيش ويشتهي، يرضى ويغضب. إنهم كانوا يدمدمون ويغمغمون - عادة - عندما يغضبون، فلما سمعوا جلجلة الرعد والبرق، شبهوها بغمغمة الغضب، وراحوا يتوهمون أن جوبيتر يظهر غضبه بهذه الغمغمات الهائلة، ويطلب من الناس بعض الأشياء والأعمال، فأخذوا يسعون وراء تفسير معاني هذه الغمغمات وكشف أسرارها؛ لتفهم مقاصد الإله الجبار، والعمل على استرضائه بوسائط شتى.