تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يدعي فيكو في هذا الفصل وفي الفصول الأخرى من الكتاب، أن أقدم الأمم هم العبران، ولا يسلم بالقدم الذي «يعزوه المؤرخون» إلى المصريين والآشوريين والصينيين. ويقول: إن مزاعم المؤرخين في هذا الصدد لا تستند إلى أساس قويم، في الواقع إن المصريين يذكرون في تواريخهم من الوقائع ما يعود إلى زمن أقدم من الأزمنة المذكورة آنفا، غير أن ذلك ليس إلا من نوع الأحاديث الخرافية التي لا يجوز الركون إليها بوجه من الوجوه؛ «إذ لا يوجد في دين المصريين وحضارتهم ما يدل على مثل هذا القدم المزعوم. يعلمنا القديس كليمانت الإسكندري بأن كتبهم المقدسة كانت مملوءة بأفظع الأغلاط في الفلسفة والفلك، كما أن طبهم كان نسيجا من التوافه والتضليلات، وأما أخلاقهم فكانت متفسخة جدا؛ لأنها كانت تسمح بالفحش، حتى إنها كانت تحترمه وتقدسه أيضا في بعض الأحيان، كما أن لاهوتهم كان من نوع الخرافات والسحريات، حتى إن صناعتي السكب والنحت أيضا كانتا عندهم في حالة الطفولة تماما. ولا عبرة في هذا الباب بعظمة الأهرام؛ لأن العظمة ليست من الأمور التي لا تأتلف مع البربرية.»

ولذلك كله يؤكد فيكو بأن العبران أقدم من المصريين والصينيين وسائر الأمم جميعا.

هذه قضية ثابتة في نظر فيكو لا يمكن تفنيدها بحجة «أن التواريخ القديمة - غير المقدسة - لم تذكر اسم العبرانيين إلا في وقت متأخر نسبيا»؛ لأن عدم ذكرهم في تلك التواريخ قد نشأ من سبب جلي تماما؛ إنهم كانوا يعيشون عيشة اعتزال، ولذلك بقوا مجهولين لدى الأمم المجاورة لهم مدة طويلة، فإن المؤرخ الإسرائيلي يوسف كان يعترف بأن العبرانيين بقوا مجهولين مدة قرون طوال، وكان يعلل ذلك بقوله: «نحن لا نسكن السواحل، نحن لا نحب أن نتاجر مع الأجانب؛ ولهذا السبب لم نخالط الأمم الأخرى.»

كان بطلميوس فيلادلفي قد تساءل مستغربا: «لماذا لم يقدم أحد من المؤرخين والشعراء القدماء على ذكر قوانين موسى؟» غير أن «ديميتريوس» اليهودي كان قد أزال استغرابه هذا قائلا: إن الذين حاولوا نقل أخبار العبران إلى الأجانب عوقبوا على محاولتهم هذه معاقبة شديدة، بمعجزة من الله بصورة خارقة للعادة. مثلا إن «تيودكت» حرم من نعمة البصر من جراء ذلك، كما أن «تيوبومب» أضاع شعوره للسبب نفسه.

إن فيكو يصدق كل هذه الروايات، ويشترك مع «لاكتانس» في تعليل ذلك بقوله: «لا شك في أن العناية الإلهية شاءت بذلك أن تحول دون تدنس دين الله الحقيقي، باختلاط شعبه المختار مع الأجانب» (ص19). (3)

فلا شك في نظر فيكو بأن أقدم الأمم هم العبران، ويليهم في القدم الكلدان، فالإسكيت، والفينيقيون، ويلي الفينيقيين المصريون، فالإغريق، فالرومان.

فالمصريون إذن هم الشعب الخامس في ترتيب الشعوب من حيث القدم، فهم أحدث من العبران والكلدان والفينيقيين.

ومع هذا يقول فيكو إن المصريين خدموا التاريخ خدمة عظمى؛ لأنهم خلفوا لنا حقيقتين تاريخيتين هامتين، لا تقلان أهمية وعظمة عن أهرامهم الجبارة.

الحقيقة الهامة الأولى؛ هي أنهم كانوا يقسمون تاريخهم إلى ثلاثة عهود وأدوار؛ دور الآلهة، دور الأبطال، دور البشر.

وأما الحقيقة الهامة الثانية؛ فهي أنهم كانوا يقولون بأن الناس تكلموا في كل دور من هذه الأدوار الثلاثة بلغة خاصة به؛ اللغة الهيروغليفية في دور الآلهة، واللغة الرمزية في دور الأبطال، واللغة العامية في دور البشر.

إن المؤرخ الروماني «فارون» كان يقسم عصور التاريخ إلى ثلاثة أقسام، ويسميها على التوالي؛ الدور المظلم، الدور الأسطوري، الدور التاريخي.

إن الدور المظلم الذي يشير إليه فارون يقابل دور الآلهة عند المصريين، كما أن الدور الأسطوري الذي يذكره المؤرخ المومأ إليه يقابل دور الأبطال، وأما الدور التاريخي الذي يشير إليه فارون فيقابل الدور البشري الذي اصطلح عليه المصريون. (4)

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٧٥