إن مثلنا في مثل هذه المقارنات كمثل من يريد أن يقوم بمقارنة بين المناجم المختلفة، فيقدم على الموازنة بين الفلز الطبيعي الموجود في أحدها، وبين المعادن الصافية والجواهر اللماعة المستخرجة من غيرها، من غير أن ينتبه إلى أن تلك المعادن والجواهر أيضا كانت ممزوجة ومخلوطة بمواد ترابية وحجرية خسيسة، وأنها لم تظهر بمظهرها الحالي إلا بعد تصفيتها من النفايات، كما أن الفلز الطبيعي الموجود في المنجم الأول أيضا يحتوي على جوهر ثمين قد يبهر الأبصار، مثل تلك الجواهر بل أكثر منها إذا ما عولج وصفي مثلها.
من البديهي أن المقارنات يجب أن تجري تحت شروط متساوية؛ فعلينا إما أن نقارن الفلز الطبيعي بالفلز الطبيعي، وإما أن نقارن المعدن المستخرج والمصفى بالمعدن المستخرج والمصفى، وأما مقارنة الفلز الطبيعي المستخرج من منجم ما بالمعدن المصفى المستحصل من منجم آخر، فمما لا يتفق مع مقتضيات العقل والمنطق بوجه من الوجوه.
فيجب علينا أن نتجنب سلوك مثل هذه الطرق في دراسة ابن خلدون، ويجوز لنا أن نقارن المقدمة بكتاب من أمثالها مقارنة شاملة تامة، كما يحق لنا أن نقارن الآراء الثمينة المستخرجة منها بما استخرج من أمثالها، وأما المقارنة بين المقدمة بهيئتها المجموعة وبين الآراء القيمة المستخرجة من الكتب المماثلة لها فمما لا يجوز أبدا. •••
إن المقالات التالية ترمي - قبل كل شيء - إلى تطبيق هذا المبدأ في دراسة مقدمة ابن خلدون، وإظهار منزلة مؤلفها العظيم على هذا الأساس القويم.
بيروت، 20 آذار سنة 1942
تنبيه هام
من المعلوم أن طبعات المقدمة كثيرة ومتنوعة، وعدد صفحاتها يختلف اختلافا كبيرا من طبعة إلى طبعة؛ ولذلك رأيت من الضروري أن أصرح بأن أرقام الصفحات المذكورة في هذه الدراسات تعود إلى طبعة عبد الله البستاني في بيروت، وطبعة مصطفى محمد في مصر.
إنني رجحت الإشارة إلى صفحات هاتين الطبعتين مع علمي بكثرة أغلاطهما ونقص أبحاثهما؛ للملاحظات التالية:
إن طبعة مصطفى محمد المصرية منقولة عن الطبعة البيروتية نقلا زينكوغرافيا؛ ولهذا السبب إن مبدأ الصفحات والأسطر في كلتا الطبعتين متماثل تمام المماثلة، فالرقم الذي يشير إلى صفحة من الصفحات في إحداهما يوافق الأخرى أيضا تمام الموافقة، ومن المعلوم أن الأولى كثيرة الانتشار في سوريا، والثانية كثيرة الانتشار في مصر، ولا شك في أن نسخ هاتين الطبعتين أكثر انتشارا من نسخ جميع الطبعات الأخرى.
ومع هذا، بما أن هاتين الطبعتين تنقصهما بعض العبارات والأبحاث، اضطررت أحيانا إلى النقل عن الطبعات الأخرى، ولا سيما عن طبعة باريس، وفي مثل هذه الحالات صرحت باسم الطبعة التي أشرت إلى صحائفها.
ففي كل موضع ذكرت فيه أرقام الصحائف - من غير ذكر لاسم الطبعة - يجب أن يراجع إحدى الطبعتين الآنفتي الذكر.
| المدخل الأول: على هامش المقدمة
| جولة بين التاريخ والمؤرخين
كثيرا ما لاحظت أن بعض الذين يتصفحون «مقدمة ابن خلدون» تصفح العجلان، لا يلبثون أن يعرضوا عن قراءتها؛ بسبب الفصول والأبحاث المتعلقة بالكهانة والنجامة والرؤيا والسحر التي يلقونها فيها.
فقد سمعت غير واحد منهم يقول: إن ابن خلدون يعتقد بكل هذه الخرافات، ويفرد لها فصولا خاصة، فكيف يجوز لنا أن نعتبره - مع ذلك - عالما كبيرا، وأن نسميه مؤرخا عظيما؟
ولقد لقيت من يقول: إن ابن خلدون ينهي كل فصل من فصول مقدمته بذكر الله، وبالرجوع إلى علم الله، إنه يكتب في آخر كل بحث من بحوثه تقريبا «والله أعلم بالصواب»، أو «والله يعلم وأنتم لا تعلمون»، أو «وفوق كل ذي علم عليم»، فكيف يمكننا أن نوفق بين مثل هذه العبارات وبين «نزعة الأبحاث العلمية» التي يجب ألا تستند إلى شيء غير «الدلائل العقلية»؟