تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

زد على ذلك، فإن الوقائع الحربية والسياسية كانت قد أدت إلى انقطاع العلاقات والصلات بين العالمين العربي والغربي، انقطاعا يكاد يكون تاما؛ فإن العلاقات التي تربط العالمين المذكورين كانت قد انحصرت تقريبا في نطاق بعض المعاملات التجارية، وهذه أيضا كانت قد انحصرت في عدد قليل من المدن والمرافئ، فما كان من المنتظر - والحالة هذه - أن يطلع الأوروبيون على كتاب يؤلفه سياسي عربي، في محل ناء من إفريقية، في الدور الذي وصفنا أحواله العامة آنفا.

وفي الأخير يجب علينا ألا ننسى أن مقدمة ابن خلدون كانت جزءا من تاريخ ضخم، والتواريخ العربية كانت قد بقيت - بطبيعتها - خارجة عن نطاق اهتمام الأوروبيين بوجه عام؛ لأن اهتمام الأوروبيين كان قد توجه نحو الكتب العربية العلمية والفلسفية بوجه خاص، ولم يلتفت القوم التفاتا يذكر إلى كتب التاريخ العربية، حتى في الدور الذي كانوا يتهافتون فيه على درس وترجمة المؤلفات العربية على اختلاف أنواعها.

هذه هي الأسباب التي أدت إلى تأخر اطلاع الأوروبيين على مقدمة ابن خلدون، وانتباههم إلى قيمتها الفكرية والعلمية، حتى القرن التاسع عشر.

| لغة المقدمة

نظرة تمهيدية

1 (1)

إن العلماء والمفكرين الذين دونوا طرائق البحث ومناحي الاستقصاء في مسائل التاريخ اهتموا اهتماما كبيرا بكيفية تفسير الوثائق التاريخية والنصوص القديمة، وأفردوا فصولا خاصة لعملية «النقد التفسيري»، الذي اصطلحوا على تسميته باسم خاص:

Hsrméneutique (من اليونانية «أرمه نيون» بمعنى الشرح والإيضاح).

وقد كتب في هذا الصدد المؤرخان «شارل سنيوبوس» و«لانغلوا» في الكتاب المشهور الذي اشتركا في تأليفه باسم «مدخل إلى دراسة التاريخ»، ما ملخصه: «إن تفسير نص من النصوص يتطلب معرفة اللغة معرفة متقنة بطبيعة الحال، غير أنه يجب ألا يغرب عن البال أن ذلك يتطلب معرفة «تاريخ تطورات اللغة» أيضا معرفة دقيقة؛ ذلك لأن مفردات اللغة كثيرا ما تكون متموجة المدلول ومتحولة المعنى، فالمعاني المستفادة منها قد تختلف لذلك بين زمان وزمان، وبين مكان ومكان، كما أنها قد تختلف بين كاتب وكاتب، حتى إنها قد تتحول - على قلم كاتب واحد أيضا - من موضع إلى موضع، حسب سياق الكلام، وهذه الاختلافات والتحولات قد تصل إلى درجة كبيرة جدا.»

مثلا إن كلمة

vel

كانت تدل في اللاتينية القديمة على «أو»، غير أنها صارت تدل مؤخرا - في بعض أدوار القرون الوسطى - على «و»، ولا حاجة للبيان أن الفرق بين المعنى الأول وبين المعنى الثاني عظيم جدا.

وكذلك كلمة

Suffragium

كانت تدل في اللاتينية القديمة على «التصويت»، غير أنها أخذت في القرون الوسطى معنى آخر هو «المساعدة والإمداد»، ومن البديهي أن الفرق بين المعنيين كبير جدا.

يميل المرء - عادة - ميلا غريزيا إلى تفسير الكلمة الواحدة بمعنى واحد دائما، ولكن هذا الميل كثيرا ما يؤدي إلى أغلاط فادحة عند قراءة الكتابات القديمة والنصوص التاريخية، فيجب على الباحث أن يعود نفسه مقاومة هذا الميل الغريزي الذي يحمل الذهن على تفسير جميع الكلمات والعبارات حسب المعاني المعروفة والمألوفة، كما يجب عليه أن يضيف إلى «التفسير الصرفي والنحوي» تفسيرا «لغويا تاريخيا» أدق وأعمق منه؛ وذلك مراعاة للحقائق والمبادئ التالية: (أ)

اللغة تتطور تطورا مستمرا، فلكل دور لغة خاصة به، يختلف عن لغات سائر الأدوار قليلا أو كثيرا، فيجب على الباحث أن يعرف لغة العهد الذي كتبت فيه الوثيقة لكي يفهم معناها حق الفهم. (ب)

إن استعمال الكلمات مما يمكن أن يختلف بين مكان ومكان، فعلى الباحث أن ينعم النظر في لغة المحل الذي كتبت فيه الوثيقة لكيلا يغلط في فهم المعنى المقصود منها. (ج)

إن لكل مؤلف أسلوبا خاصا في استعمال الكلمات والتعبير عن الأفكار، فيجب على الباحث أن يدرس لغة المؤلف وأسلوبه، وأن ينتبه إلى المعاني الخاصة التي ربما كان يقصدها من تلك الكلمات. (د)

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٦٠