إن الكلمة الواحدة قد تدل على معان مختلفة حسب العبارة التي تدخل فيها، فيجب على الباحث ألا يكتفي بملاحظة معاني كل كلمة من الكلمات على وجه الانفراد، بل عليه أن يسعى إلى ملاحظة العبارة التي تتألف من تلك الكلمات بهيأتها المجموعة أيضا.
إن هذه المبادئ والحقائق قد حملت علماء الغرب على أن يضعوا «قواميس لغوية تاريخية»، تسجل وتستعرض جميع المعاني المختلفة التي أخذتها كل كلمة من الكلمات، خلال الأدوار المختلفة من التاريخ، كما أنها اضطرتهم إلى وضع بعض القواميس الخاصة بلغات بعض المؤلفين، تسجل الكلمات التي استعملها، والمعاني التي قصدها منها، في إحدى مؤلفاته أو في جميع كتاباته.
إن دراسة الكلمات وفقا للقواعد الآنفة الذكر، تلعب دورا هاما، وتكتسب خطورة خاصة في أمر «تدوين التاريخ بالاستناد إلى الوثائق القديمة»؛ ذلك لأن سوء تفسير الكلمة الواحدة أو العبارة الواحدة قد يؤدي إلى أغلاط كبيرة جدا.
إن المؤرخ الفرنسي المشهور «فوستل دو كولانج»
Fustel de Coulange
عندما تتبع «تاريخ المروفنجيين» تعمق في دراسة نحو مائة كلمة من الكلمات المسطورة في الوثائق التاريخية، وتوصل من دراسته هذه إلى حقائق هامة جدا، غيرت ما كان يعرف عن تاريخ فرنسا في عهد الأسرة المذكورة تغييرا كبيرا. (2)
إن كل ما ذكرناه آنفا عن كيفية درس الوثائق التاريخية يصح بحذافيره في أمر فهم الكتب القديمة بوجه عام، فعلى كل من يقدم على مطالعة كتاب قديم أن يقرأه بنظرة تاريخية، ولا يستسلم للنزعة الطبيعية التي تحمله على تفسير عبارات الكتاب وكلماته حسب معانيها الحالية.
ولهذا السبب نجد أن الغربيين عندما يطبعون المؤلفات القديمة يرفقونها بحواش لغوية وتاريخية إيضاحية، تبين معاني الكلمات في عهد كتابتها.
مثلا إذا تصفحنا كتاب «روح القوانين» الذي ألفه «مونتسكيو» - قبل نحو قرنين - باللغة الفرنسية في إحدى طبعاته الحديثة؛ وجدنا فيه حواشي كثيرة توضح معاني الكلمات بالنسبة إلى زمان كتابة الكتاب.
نفهم من هذه الحواشي مثلا أن مونتسكيو استعمل كلمة
conséquence
في عدة مواضع بمعنى «الأهمية والخطورة»، في حين أن الكلمة المذكورة تعني في الحالة الحاضرة «النتيجة». كما أنه قد استعمل كلمة
Succés
في عدة مواضع بمعنى «النتيجة»، في حين أنها تدل في الحالة الحاضرة على «النجاح والتوفيق». واستعمل كلمة
Industrie
بمعنى «المهارة»، في حين أنها تستعمل الآن بمعنى «الصناعة».
إن طبعات روح القوانين مليئة بمثل هذه الشروح التي تدل على مبلغ تطور الكلمات بوضوح تام.
هذا وإذا رجعنا إلى ما قبل تاريخ تأليف الكتاب المذكور؛ وجدنا في معاني الكلمات تغيرا وتباعدا أكثر من ذلك أيضا؛ مثلا إننا نجد في كتاب «الجمهورية»، الذي ألفه «جان بودن» في القرن السادس عشر للميلاد، العبارة التالية:
La monarchie est une forme de république ، وإذا أردنا أن نترجم هذه العبارة وفق مدلولات الكلمات الحالية يجب أن نقول: «إن الملكية شكل من أشكال الجمهورية.» ومن البديهي أن هذه العبارة تكون في منتهى السخافة. وأما الحقيقة في هذا الأمر فهي أن كلمة
Republique
لم تكن قد تخصصت في ذلك العهد بمعنى الجمهورية، بل كانت تدل على «الدولة» بوجه عام. فالعبارة المذكورة يجب أن تترجم لذلك كما يلي: «إن الملكية شكل من أشكال الدولة.»
أعتقد أن الأمثلة التي ذكرتها كافية لإظهار أهمية المبادئ الآنفة الذكر، فلا أرى لزوما للتوسع في هذا الموضوع.
2 (1)
إن أسس «النقد التفسيري» التي ذكرناها آنفا يجب أن تبقى نصب أعيننا على الدوام، حينما نقرأ وندرس مقدمة ابن خلدون.
قد يقال مقابل ذلك أن ابن خلدون كتب التاريخ والمقدمة باللغة الفصحى، والعربية الفصحى لم تتغير وتتطور كما تغيرت وتطورت اللاتينية وسائر اللغات الأوروبية.