تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما سائر أقسام العالم الإسلامي فلم تكن عندئذ أحسن حالا من العالم العربي من هذه الوجهة؛ فإنها كلها كانت في حالة انحلال وانحطاط، ولم يشذ عن هذا الانحلال العام إلا دولة إسلامية واحدة هي الدولة العثمانية، التي كانت قد تغلبت عندئذ على مشاكل التأسيس، ودخلت في طور التوسع والاستيلاء.

من المعلوم أن الدولة المذكورة كانت قامت على أنقاض الدولة السلجوقية، وأخذت تتوسع بسرعة بعد صدمة تيمورلنك التي أدركها ابن خلدون في أواخر حياته، وقامت بفتوحات عظيمة، خاصة في القسم الجنوبي الغربي من القارة الأوروبية، في البلاد التي كانت قد ظلت حتى ذلك العهد خارجة عن نطاق العالم الإسلامي، وبعيدة عنه.

إن هذه الفتوحات العظيمة استلزمت - بطبيعة الحال - ظهور سلسلة من المؤرخين بين رسميين وغير رسميين، وهؤلاء المؤرخون كانوا يقرءون المؤلفات العربية بحكم الثقافة الإسلامية السائدة في ذلك العهد، فكان من الطبيعي أن يطلعوا على مقدمة ابن خلدون، ويعجبوا بها إعجابا شديدا، ويتأثروا منها تأثرا عميقا.

فلا نغالي إذا قلنا إن مقدمة ابن خلدون وجدت أكبر الصدى، وأثرت أشد التأثير، في مؤلفات المؤرخين العثمانيين، فجميع هؤلاء المؤرخين - من نعيما صاحب التاريخ الشهير، إلى عبد الرحمن شرف المؤرخ الرسمي الأخير - كلهم استلهموا أسس التاريخ من ابن خلدون، حتى إن بعضهم اعتبر «واقعة أنقرة» - التي كانت حدثت بين السلطان بايزيد رابع، سلاطين آل عثمان، وبين تيمورلنك، التي انتهت بأسر السلطان المشار إليه، وأحدثت الأزمة المعروفة في التواريخ العثمانية باسم «فاصلة السلطنة» - اعتبروها آخر دليل على صدق نظريات ابن خلدون وإصابة ملاحظاته القيمة.

إن اهتمام المؤرخين والمفكرين العثمانيين بمقدمة ابن خلدون - على هذا المنوال - هو الذي حملهم على ترجمتها إلى التركية - منذ أواسط القرن الثامن عشر - قبل ترجمة الأوروبيين لها، بمدة تزيد على القرن الكامل.

غير أننا نستطيع أن نقول إن اهتمام المؤرخين العثمانيين بمقدمة ابن خلدون كان بمثابة الاقتباس والاستلهام بوجه عام، ولم يتعد ذلك إلى التوسيع والتعقيب. •••

أما العالم الغربي فلم يطلع على مقدمة ابن خلدون، ولم يهتم بها إلا في القرن التاسع عشر للميلاد.

والسبب الأصلي في ذلك هو - على ما نرى - تاريخ كتابة المقدمة، وعهد نشأة مؤلفها.

من المعلوم أن ابن خلدون كتب المقدمة في الربع الأخير من القرن الرابع عشر، وتوفي في العقد الأول من القرن الخامس عشر، في ذلك الزمن كانت القرون الوسطى في أوروبا قد دخلت في طورها الأخير، وصار كل شيء يبشر بدور وثوب جديد، سيؤدي إلى عهد الانبعاث بعد مدة لا تزيد كثيرا على نصف القرن.

كان العهد الذي يذهب فيه مفكرو أوروبا إلى الأندلس العربية؛ لانتهال مناهل العلم من جامعاتها، واستنساخ الكتب من مكتباتها، قد انقضى وانصرم؛ ذلك لأن القوم كانوا قد ترجموا أهم الكتب العلمية والفلسفية من العربية، خلال القرن الثاني عشر للميلاد، كما أنهم كانوا قد أسسوا أهم الجامعات في أوائل القرن الثالث عشر، والمدة التي مضت منذ ترجمة الكتب وتأسيس الجامعات - على هذا المنوال - كانت كافية لإنهاء «عهد الاقتباس من العرب» ولإكساب الفكر الأوروبي الشيء الكثير من الشخصية والاستقلال، إن مؤلفات وتعاليم آلبرت الكولوني، وتوما الأكويني، وروجر بيكن الإنجليزي،

Albert Le grand, Thomas D’Aquin, Roger Bacon ، كانت قد انتشرت في الجامعات قبل مدة غير يسيرة، والمناقشات التي كانت قامت بين أنصار ابن رشد وبين معارضيه، كانت قد اجتازت أدوارها الحادة.

فكان من الطبيعي ألا يعود المفكرون الأوروبيون فيفكرون ويتساءلون عما قد يؤلفه العرب من جديد، في دور انحطاطهم وانحلالهم الأخير.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٥٩