تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن أصول البحوث العلمية تتطلب من كل باحث يقدم على مطالعة كتاب قديم أن يتأمل في كل موضوع من مواضيعه، وكل مسألة من مسائله على حدة، وأن يعرف حق المعرفة بأن «خطورة الأخطاء» التي تلقى في الكتب القديمة لا يجوز أن توزن بالموازين الفكرية العصرية، بل يجب أن تقدر بموازين تاريخية خاصة. ولا حاجة للبيان، إن هذه الموازين الخاصة لا يمكن أن تتقرر إلا بتتبع «تطورات الفكر البشري» بوجه عام.

هذا مبدأ هام يجب ألا نهمله أبدا، عندما نقرأ وندرس مقدمة ابن خلدون يجب علينا ألا ننسى أنه من رجال القرن الرابع عشر للميلاد، كما يجب علينا أن نرجع إلى تاريخ العلوم والأفكار عندما نقرأ كل فصل من فصوله، ونتأمل في كل رأي من آرائه، ونستعرض ما كان يقول به المفكرون في هذا الصدد في العصر الذي عاش فيه، وفي العصور التي أتت بعده .

3

إنني لم أقل بهذا المبدأ، ولم أضع هذا الدستور تعصبا وتحزبا لابن خلدون، بل قلت بهذا المبدأ لأنني وجدته سائدا في تاريخ العلوم والعلماء، وسردت هذا الدستور لأنني رأيته رائد القوم على الدوام.

وأقول بلا تردد: لولا ذلك لما استطاع أحد من المفكرين والعلماء السالفين أن يحتفظ بمكانته العلمية والفكرية في هذا العصر، بين تطور العلوم الهائل وتقدمها المستمر.

هذا أرسطو، الذي يعد أكبر المفكرين الذين عرفتهم البشرية، والذي يلقب لذلك بلقب «المعلم الأول»، هذا أرسطو نفسه قد وقع في أخطاء وأغلاط كثيرة وكبيرة جدا في مؤلفاته المختلفة، فإذا أراد أحدنا أن يحصيها ويجمعها لاستطاع أن يؤلف منها مجلدا ضخما.

إن بعض هذه الأخطاء والأغلاط كانت جوهرية خطيرة تتعلق بأسس العلوم نفسها:

كان أرسطو يقول مثلا في ميدان علوم الطبيعة بنظرية العناصر الأربعة، ويعتبر كلا من الماء والهواء والتراب والنار عنصرا من عناصر الأشياء، ومن المعلوم أن علمي الفيزياء والكيمياء قد قاما على إنكار هذه النظرية من أساسها.

وكان يقول في ساحة علم الحياة بنظرية «التناسل التلقائي»، ويعتقد بأن الديدان والحشرات تتولد من تلقاء نفسها من الطين والجيف، ومن المعلوم أن علم الحياة الحالي قد برهن على بطلان هذه النظرية برهنة قاطعة.

وكان أرسطو يقول في ساحة الاجتماعيات بضرورة الرق، ويعتقد بأن الاسترقاق من ضرورات الحياة الاجتماعية، وكان يعلل اعتقاده هذا بقوله: «إن بعض الناس خلقوا ليكونوا أسيادا، وبعضهم خلقوا ليكونوا عبيدا.» حتى إنه كان يرى أن «الغزو للحصول على العبيد» مشروع بقدر «الصيد لاقتناص الحيوانات». ومن المعلوم أن تطورات الحياة الاجتماعية سارت دائما على أساس إنكار هذا الرأي بوجه حاسم بات.

وزيادة على ذلك، فإن بعض الآراء التي قال بها أرسطو كانت من نوع السفسطات والمغالطات، فقد قال - مثلا: «إن الخط المستقيم لا يمكن أن يكون كاملا بوجه من الوجوه؛ لأن هذا الخط المستقيم إذا كان غير متناه كان غير كامل؛ إذ إن الكمال في الخط لا يتم إلا عندما يكون له شكل مرسوم بوضوح، وأما إذا كان الخط المستقيم المذكور متناهيا فلا يكون كاملا أيضا؛ لأنه يبقي في هذه الحالة ما هو خارج عنه بطبيعة الأمر ...» ومن الواضح أن كل ذلك من لغو الكلام، وهو يدل على المغالطة في البرهنة والبيان.

فإذا كان أرسطو لا يزال يتمتع بمنزلة ممتازة ومكانة خارقة في تاريخ العلوم والأفكار، فما ذلك إلا لأن التاريخ المذكور يراعي على الدوام المبدأ الذي ذكرته آنفا.

وما قلته عن أرسطو في هذا الصدد يصح في غيره من العلماء والمفكرين أيضا؛ فليس بين هؤلاء - من سقراط إلى كونت، ومن بقراط إلى فرويد - من يعد عظيما لأنه لم يخطئ في آرائه وكتاباته قط، بل إنهم يعدون من العظماء على رغم الأخطاء التي وقعوا فيها والأغلاط التي قالوا بها.

4

ومما تجب ملاحظته في هذا الصدد أن موقفنا - نحن الناطقين بالضاد - تجاه مقدمة ابن خلدون، يختلف بطبيعته عن مواقفنا تجاه مؤلفات أمثاله من الغربيين؛ ذلك لأننا لا نطلع - عادة - على آراء القدماء من الغربيين إلا من خلال بعض المقتطفات والدراسات، فنتوهم بأن كل ما قاله هؤلاء وكتبوه كان على ذلك الطراز، مع أن تلك المقتطفات والدراسات تستهدف - بوجه عام - إظهار منزلتهم العلمية، فلا تحتوي في حقيقة الأمر إلا على الجوهر الهام، والزبدة المنتقاة من آرائهم وكتاباتهم الأصلية، بينما نحن نطلع على ما قاله ابن خلدون من قراءة مقدمته مباشرة، ونحيط علما بكل ما جاء فيها من غث وسمين. فالمقارنة التي تحدث في أذهاننا - بهذه الصورة - بين ابن خلدون وبين أمثاله الغربيين تكون بعيدة عن الحق والحقيقة بطبيعة الأمر.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٥