وعلى كل حال يؤكد ابن خلدون أنه كتب ما كتبه في هذا الصدد من غير أن يستند إلى قول أحد، ومع هذا يقول: «هذا الفن الذي لاح لنا النظر فيه، تجد منه مسائل تجري بالعرض لأهل العلوم في براهين علومهم، وهي من جنس مسائله» (ص39).
ثم يذكر ما جاء من الكلمات المتفرقة عن هذه المسائل في كتابات بعض الحكماء، وبعد ذلك يقول: «وأنت إذا تأملت كلامنا في فصل الدول والملك، وأعطيته حقه من التصفح والتفهم؛ عثرت في أثنائه على تفسير هذه الكلمات، وتفصيل إجمالها مستوفى بينا بأوعب بيان وأوضح دليل وبرهان، أطلعنا الله عليه من غير تعليم أرسطو ولا إفادة موبذان» (ص40).
وبعد أن يذكر ما كتبه ابن المقفع والقاضي أبو بكر الطرطوشي حول هذه المسائل، يقول: «إنما هو نقل وتركيب شبيه بالمواعظ، وكأنه حوم على الغرض ولم يصادفه، ولا تحقق قصده ولا استوفى مسائله.»
وفي الأخير يعود إلى عمله هو: «ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاما، وأعثرنا على علم جعلنا سن بكره، وجهينة خبره» (ص40).
ثم يرجع إلى التواضع فيقول: «وإن كنت قد استوفيت مسائله، وميزت عن سائر الصنائع أنحاءه وأنظاره، فتوفيق من الله وهداية، وإن فاتني شيء في إحصائه، واشتبهت بغيره، فللناظر المحقق إصلاحه.»
وبعد ذلك يختم كلامه قائلا: «ولي الفضل لأني نهجت له السبيل، وأوضحت له الطريق، والله يهدي بنوره من يشاء» (ص40).
يعود ابن خلدون إلى ذلك في آخر الكتاب الأول أيضا حيث يقول: «وقد كدنا نخرج عن الغرض؛ ولذلك عزمنا أن نقبض العنان عن القول في هذا الكتاب الأول الذي هو طبيعة العمران وما يعرض فيه، وقد استوفينا من مسائله ما حسبناه كفاية.» «ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم مبين، يغوص من مسائله على أكثر مما كتبنا، فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضع العلم، وتنويع فصوله وما يتكلم فيه، والمتأخرون يلحقون المسائل من بعده شيئا فشيئا إلى أن يكمل» (ص588). (3)
يظهر من هذه العبارات بكل وضوح أن ابن خلدون كان يدرك إدراكا واضحا بأنه وضع أسس علم جديد، وكان يشعر شعورا تاما بأن هذا العلم سيتوسع فيه من بعده، شأن جميع العلوم التي تبدأ مختصرة ومجملة، ثم تتوسع وتتقدم بالتدريج؛ بسبب التحاق وانضمام المسائل الجديدة إليها شيئا فشيئا. •••
فقد صح ما كان تنبأ به ابن خلدون في هذا المضمار؛ فإن المسائل التي عالجها في مقدمته - وبتعبير أصح في الكتاب الأول من تأليفه - صارت فيما بعد موضع اهتمام المفكرين والعلماء، وكونت علمين هامين:
علم التاريخ، وعلم الاجتماع.
إلا أن - من سوء حظه - لم يتم ذلك على الأسس التي كان وضعها هو، ولا في داخل البناية التي كان شيدها عليها؛ لأن تلك الأسس القويمة لم تجد من يقدر أهميتها ويعمل لإتمامها في حينها، فأهملت لذلك، وتنوسيت بمرور الزمان. وأما العلمان المذكوران فقد تأسسا وتوسعا في محلات أخرى على أسس مشابهة للتي وضعها ابن خلدون، ولكن على يد غيره من المفكرين، وبعد مرور عدة قرون.
والعلماء والمفكرون الذين توفقوا إلى تكوين وتأسيس هذين العلمين من جديد، لم يطلعوا على الآراء التي كان ابتكرها ابن خلدون في هذا الموضوع، إلا بعد مرور مدة تناهز خمسة قرون على تاريخ كتابتها.
وأما السبب في ذلك فهو أن ابن خلدون نشأ في أوان انحلال الدول العربية وانحطاط الثقافة العربية، فما كتبه في هذه المواضيع صار بمثابة البذور التي تنثر في أرض قاحلة، أو بمثابة الفسائل التي تغرس بعد فوات الموسم، فإنها لم تجد التربة الصالحة لانتعاش تلك البذور، والجو الملائم لتنمية تلك الأغراس؛ ولهذا لم يجد عمل ابن خلدون تلاميذ وشراحا ومعقبين، بالرغم من الإعجاب الذي أثاره بين المثقفين.
ولا نغالي إذا قلنا إن العالم العربي لم ينجب مفكرا وكاتبا عظيما بعد العصر الذي عاش فيه ابن خلدون، ونستطيع أن نقول: إن المفكر المشار إليه كان بمثابة الوهج الذي يحدث قبيل انطفاء الشعلة، حسب التشبيه الذي أبدعه هو، عندما وصف الأحوال التي تشاهد في أواخر حياة الدول (ص294). •••