هذا ومما تجب ملاحظته في هذا الصدد أن النسخة الباريسية تختلف عن النسخة المصرية من وجهة أخرى أيضا:
إن الديباجة المسطورة في الطبعة المصرية تنتهي بكلمة إتحاف طويلة (ص7-9)، يجدر بنا أن نجتزئ منها العبارات التالية: «أتحفت بهذه النسخة منه (أي من كتاب العبر) خزانة مولانا السلطان الإمام المجاهد الفاتح الماهد، أمير المؤمنين أبي فارس عبد العزيز، من ملوك بني مرين الذين جددوا الدين، وبعثته إلى خزانتهم الموقوفة لطلبة العلم بجامع القرويين من مدينة فاس، حاضرة ملكهم وكرسي سلطانهم.»
إن هذا الإتحاف غير مؤرخ بتاريخ ما، ولكننا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أولا مدة سلطنة السلطان عبد العزيز المشار إليه، وثانيا ما كتبه ابن خلدون بنفسه في ترجمة حياته عن إرسال الهدايا إلى سلطان المغرب؛ نستطيع أن نحكم على أن هذا الإتحاف كتب بين سنة 797 وسنة 799 هجرية/1394-1396 ميلادية.
إن الوقفية التي وجدت في أول المجلد الخامس من كتاب العبر المحفوظ في خزانة كتب جامع القرويين تؤيد ذلك بصورة قطعية؛ لأنها مؤرخة بتاريخ صفر 799، وهذا التاريخ يقابل شهر تشرين الثاني من سنة 1396 ميلادية تماما (إننا أدرجنا صورة الوقفية في ذيل هذا البحث.)
فنحن نستطيع أن نقول - بناء على ذلك - إن المخطوطة التي صارت أساسا للطبعة المصرية ترينا «مقدمة ابن خلدون» في الحالة التي كانت وصلت إليها في التاريخ المذكور.
إن الطبعة الباريسية عارية عن هذه الكلمة الإتحافية، وإذا لاحظنا كثرة الفصول والأبحاث الزائدة في الطبعة المذكورة بالنسبة إلى الطبعة المصرية، واستبعدنا في الوقت نفسه احتمال حذف هذه الفصول والأبحاث من المقدمة عند إرسالها إلى فاس؛ اضطررنا إلى الحكم بأن الفصول والأبحاث المذكورة قد أضيفت إلى المقدمة بعد التاريخ المستفاد من كلمة الإتحاف، أي بعد سنة 1396 ميلادية. (5)
غير أنني أجد في الطبعة المصرية أمرا أهم من كل ذلك، من حيث الدلالة على تاريخ كتابة أبحاث المقدمة المختلفة:
لقد كتب الهوريني في ذيل كلمة الإتحاف تعليقا يقع في ثمانية عشر سطرا (ص7-8)، قال فيه: «وجد في نسخة بخط بعض فضلاء المغاربة زيادة قبل قوله: «أتحفت»، وبعد قوله: «أدرت سياجه»»، ثم نقل نص هذه الزيادة التي تدل على إتحاف النسخة إلى خزانة «الخليفة أمير المؤمنين المتوكل على رب العالمين، أبو العباس أحمد، من سلالة أبي الحفص والفاروق»، وفي الأخير ختم التعليق المذكور بقوله: «إلا أنه لم يقيد الإمامة بالفارسية»، لكن النسخة المذكورة مختصرة عن هذه النسخة المنقولة من خزانة الكتب الفاسية، ولم يقل فيها: «ثم كانت الرحلة إلى المشرق.»
إنني أعتقد أن النسخة التونسية التي أشار إليها الهوريني في تعليقه هذا بصورة عرضية، ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى تاريخ المقدمة؛ لأن كل شيء يدل على أنها أقدم النسخ المعلومة على الإطلاق.
إن الشيخ نصر الهوريني لم يقدر أهمية هذه النسخة؛ لأنه لم ينتبه إلى اختلاف التواريخ التي تدل عليها كلمات الإتحاف، كما أنه لم يلاحظ المعنى الذي ينطوي عليه وجود أو عدم وجود فقرة «ثم كانت الرحلة إلى المشرق»؛ ولهذا السبب ظن أن النسخة المذكورة مختصرة عن النسخة الفارسية، فأهملها إهمالا كليا.
غير أن ملاحظة تواريخ سلطنة هذين الملكين تكفي للبرهنة على أن النسخة التونسية أقدم من النسخة الفاسية نحو أربعة عشر عاما، كما أن عدم وجود فقرة «كانت الرحلة إلى المشرق» في النسخة المذكورة يؤيد دلالة الإتحاف، ويبرهن على أن أصل النسخة المذكورة كان كتب قبل هجرة ابن خلدون إلى مصر.
هذا وإذا راجعنا التعريف الذي كتبه ابن خلدون عن سيرة حياته علمنا منه بأنه كان قدم أول نسخة من كتاب العبر إلى السلطان «أبو العباس الحفصي» سنة 784 / 1382، فاستطعنا أن نجزم - بناء على ذلك - بأن أصل النسخة التي تحمل كلمة الإتحاف الآنف الذكر كتب في التاريخ المذكور.