تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالزعم الذي ذهب إليه الهوريني من أن النسخة التونسية مختصرة عن النسخة الفاسية، يكون بمثابة قلب الأمور رأسا على عقب؛ لأن الحقائق التي سردناها آنفا تدل دلالة قطعية على أن الأمر على العكس من ذلك تماما، فيجب أن يقال إن النسخة الفاسية موسعة عن النسخة التونسية، لا أن يزعم بأن النسخة التونسية مختصرة عن النسخة الفاسية.

ولهذه الأسباب إني أعزو إلى النسخة التونسية التي تشير إليها الطبعة المصرية أهمية كبيرة جدا؛ لأننا نستطيع أن نحصل بواسطة هذه النسخة على فكرة تامة وواضحة عن الطور الذي كانت وصلت إليه المقدمة، قبيل هجرة ابن خلدون إلى مصر، كما أننا نستطيع أن نطلع على التعديلات والتوسيعات التي أدخلها المؤلف على المقدمة بعد هجرته إلى مصر خلال أربعة عشر عاما، عن طريق مقارنة النسخة المذكورة بالنسخة المطبوعة والمتداولة. فلا أرى مجالا للشك في أن هذه المقارنة إذا ما تمت بانتباه واهتمام تساعدنا على حل القسم الأعظم من المسائل التي سردناها آنفا، وتفتح أمامنا مجالا واسعا لتعيين التطورات التي حدثت في أسلوب ابن خلدون وعقليته، ولتبرير التغيرات التي حدثت في معلوماته ونزعاته خلال هذه المدة، تحت تأثير حياته الجديدة وبيئته الجديدة.

غير أني أتأسف كل الأسف على أنني لم أكن الآن في وضع يمكنني من الحصول على النسخة المذكورة، أو الوصول إليها؛ لأتولى درسها ومقارنتها بنفسي.

ولذلك أراني مضطرا للاكتفاء بتسجيل رأيي في أهمية هذه النسخة وخطورة هذه المقارنة، وأدعو الباحثين الذين يهتمون بأمر ابن خلدون ومقدمة ابن خلدون إلى القيام بهذه المهمة على ضوء الملاحظات التي سردتها آنفا.

ذيل

وقفية كتاب العبر

ندرج فيما يلي صيغة الوقفية كما هي مسطورة في المجلد المحفوظ في مكتبة جامع القرويين بفاس.

إننا وجدناها مفيدة من وجوه عديدة؛ لأنها أولا: تقرر تاريخ الإهداء والإتحاف بصورة أكيدة، ثانيا: تعطينا ألقاب ابن خلدون كما كانت معروفة عند كتابة الوقفية، ثالثا: تعلمنا الشروط التي وضعها الواقف لإخراج الكتاب من المكتبة وإعارته إلى طالبيه.

يلاحظ بوجه خاص أن الوقفية تقرر بأن الانتفاع بالكتاب الموقوف يكون «قراءة ومطالعة ونسخا»، كما أنها لا تسوغ بقاء الكتاب عند مستعيره أكثر من شهرين؛ لأنها تعتبر هذه المدة كافية لنسخ الكتاب المستعار أو مطالعته. •••

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه.

وقف وحبس وسبل وأبد وحرم وتصدق سيدنا ومولانا العبد الفقير إلى الله تعالى، الشيخ الإمام العالم الحافظ المحقق أوحد عصره وفريد دهره قاضي القضاة، ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن ابن الشيخ الإمام أبي عبد الله محمد بن خلدون، الحضرمي المالكي، أمتع الله المسلمين بحياته، ونفعهم بعلومه وبركاته، وهو مؤلف هذا الكتاب - جميع هذا الكتاب - المسمى بكتاب العبر في أخبار العرب والعجم والبربر، المشتمل على سبعة أسفار هذا أحدها وقفا مرعيا وحبسا مرضيا على طلبة العلم الشريف بمدينة فاس المحروسة، قاعدة بلاد المغرب الأقصى؛ ينتفعون بذلك قراءة ومطالعة ونسخا، وجعل مقره بخزانة الكتب التي بجامع القرويين في فاس المحروسة، بحيث لا يخرج من حرمها إلا لثقة أمين، برهن وثيق لحفظ صحته، وألا يمكث عند مستعيره أكثر من شهرين، وهي المدة التي تتسع لنسخ الكتاب المستعار أو مطالعته، ثم يعاد إلى موضعه. وجعل النظر في ذلك لمن له النظر على خزانة الكتب المذكورة. وقف لله على الوجه المذكور لوجه الله الكريم، وطلب لثوابه الجسيم، يوم يجزي الله المتصدقين ولا يضيع أجر المحسنين. وأشهد عليه بذلك في اليوم المبارك الحادي والعشرين لشهر صفر المبارك، عام تسعة وتسعين وسبعمائة، حسبنا الله ونعم الوكيل. (يلي هذا النص شهادة شخصين.) (نص الأولى): أشهدني (نص الثانية): أشهدني سيدنا

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٥٦