إن مقدمة ابن خلدون تبدو في هذه الترجمة أوسع نطاقا من الطبعتين الباريسية والمصرية؛ لأنها تحتوي على جميع الفصول التي تنقص في الطبعة المصرية بالنسبة إلى الطبعة الباريسية، كما أنها تحتوي على الفصل الذي ينقص في الطبعة الباريسية بالنسبة إلى الطبعة المصرية، فهي أشبه بالطبعة الباريسية من حيث العموم، ومع هذا تزيد عنها بفصل واحد.
وأما الترجمة الفرنسية فقد تمت على يد البارون دو سلان
De Slane ، ونشرت في باريس في ثلاثة مجلدات؛ الأول في سنة 1862، والأخير في سنة 1868 ميلادية. إن المومأ إليه اعتمد في الدرجة الأولى على طبعة كاترمير، ومع هذا فقد رجع إلى النسخ الخطية كلما شك في صحة الطبعة، كما أنه لاحظ الطبعة المصرية، واستفاد من الترجمة التركية أيضا. ولهذا السبب نستطيع أن نقول: إن أتم المعلومات وأكثر التفاصيل عن مقدمة ابن خلدون قد اجتمعت في هذه الترجمة. (3)
إذا قارنا بعض هذه الطبعات ببعض - مع ملاحظات الترجمات - وجدنا بينها أربعة أنواع من الفروق: (أ)
الفروق الجزئية التي تنحصر في بعض الكلمات والعبارات. (ب)
الفروق الكلية التي تلاحظ في بعض الفصول. (ج)
الفروق الناتجة من وجود أو عدم وجود بعض الفقرات والأبحاث في بعض الفصول. (د)
الفروق الناتجة من وجود أو عدم وجود بعض الفصول برمتها.
من البديهي أن الفروق التي من النوع الأول تنشأ عن أغلاط الناسخين والطابعين، غير أن التي من النوع الثاني لا يمكن أن تعلل بمثل هذه الأغلاط، بل إنها تدل على أن المؤلف نفسه رأى أن يغير الفصل بكامله، وأقدم على كتابته من جديد، وسبكه بهذه الصورة في قالب يختلف عن قالبه الأول اختلافا كبيرا. إن فصل «الحديث» في الباب السادس من هذا القبيل؛ لأن هذا الفصل يظهر في الطبعة الباريسية في شكل يختلف اختلافا كليا عن الشكل الذي يظهر فيه في الطبعة المصرية، إن مقارنة الشكلين من حيث الأسلوب والمضمون تحمل على الظن بأن الشكل الأول أحدث من الشكل الثاني.
وأما الفروق التي هي من النوع الثالث فتدل على إضافة بعض الفقرات والحواشي، بعد إتمام الفصل في أوقات قد تكون مختلفة. إن أحسن مثال لهذا النوع هو فصل «الخط والكتابة»؛ فإذا قارنا الطبعتين من وجهة هذا الفصل وجدنا أن أبحاث الخط في الطبعة الباريسية تزيد على ما في الطبعة المصرية في أربعة مواضع مختلفة، بفقرات كاملة، تقع أقصرها في خمسة أسطر، وأطولها في ثمانية وخمسين سطرا.
لقد اتخذنا الفصل المذكور موضوعا لإحدى دراساتنا في هذا الكتاب؛ فيجد القارئ هناك تفاصيل الفقرات الزائدة المذكورة بنصوصها الكاملة. إن ملاحظة هذه الفقرات لا تترك مجالا للشك في أن عدم وجودها في النسخة التي صارت أساسا للطبعة المصرية لا يمكن أن يعلل بسقوطها خلال الاستنساخ، كما لا يعقل أن يعزى إلى حذفها من قبل المؤلف نفسه، فمن الضروري أن يستدل من ذلك على أن الفقرات المذكورة أضيفت إلى الفصل المذكور إضافة، خلال تهذيبه وتنقيحه، في دفعة واحدة أو في دفعات عديدة على أغلب الاحتمال.
كل شيء يدل على أن ابن خلدون كان يكتب من وقت إلى آخر بعض الملاحظات والمعلومات الجديدة على حاشية النسخة التي بين يديه، وهذه الحواشي والتعليقات كانت تدخل المتن - بعد مدة - تارة على يده هو، وطورا على يد النساخ.
وعلى كل حال يحق لنا أن نحكم - والحالة هذه - على أن النسخة الباريسية التي تحتوي على مثل هذه الفقرات المضافة، أحدث من النسخة المصرية.
وأما الفروق التي من النوع الرابع فتشبه فروق النوع الثالث من هذه الوجهة، وتدل على إضافات جرت بعد مرور مدة على كتابة سائر الفصول.
وبما أن النسخة الباريسية تزيد على النسخة المصرية بفصول عديدة، يحق لنا أن نحكم - من هذه الوجهة أيضا - على أن أصل النسخة الباريسية أحدث من أصل النسخة المصرية من حيث العموم. (4)