ثمينة جدا، فهي تجمع كمية كبيرة من المعلومات القيمة عن الجغرافية والتاريخ، ورسوم الحضارة، وأصناف العلوم، وأحوال الصنائع، وأصول التعليم، وعن أهم المؤلفات العلمية والأدبية، والآراء السياسية والدينية والفلسفية.
إنني أعتقد بأن دراسة المقدمة دراسة علمية دقيقة تتطلب تفريق مباحثها الأصلية عن مباحثها الفرعية باهتمام، ودرس كل قسم منها على حدة حسب ما تتطلبه طبيعتها.
إن عمل ابن خلدون في النوع الثاني من مباحث المقدمة لا يتعدى حدود «النقل، والجمع، والعرض، والتلخيص، والترجيح، والتسجيل»، وأما قدرته الابتكارية وعبقريته الحقيقية، فلا تظهر إلا في النوع الأول من مباحث المقدمة.
فجهود الباحثين يجب أن توجه - قبل كل شيء - إلى تفريق هذه المباحث من غيرها، وتمييز المبتكر وتبريز الطريف منها.
ذيل
الفصول المنسية والمهملة
لمقدمة ابن خلدون فصول منسية في الطبعات المصرية والبيروتية المتداولة بين الأيدي.
ندرج فيما يلي عناوين هذه الفصول مع تعيين مواضعها من الفصول المعلومة في الطبعات المتداولة، معتمدين في ذلك على طبعة باريس: (أ)
في الباب الثالث بعد الفصل الباحث عن «طروق الخلل للدولة»، فصل في اتساع نطاق الدولة أولا إلى نهايته، ثم تضايقه طورا بعد طور، إلى فناء الدولة واضمحلالها (المجلد الثاني، ص114-117). (ب)
في أول الباب السادس قبل الفصل القائل بأن «العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري».
فصل في الفكر الإنساني (المجلد الثاني، ص364). (ج)
في الباب نفسه، بعد الفصل الآنف الذكر:
فصل في أن عالم الحوادث العقلية إنما يتم بالفكر. (د)
بعد ذلك:
فصل في العقل التجريبي وكيفية حدوثه. (ه)
بعد ذلك:
فصل في علوم البشر وعلوم الملائكة. (و)
بعد ذلك:
فصل في علوم الأنبياء عليهم السلام. (ز)
بعد ذلك:
فصل في أن الإنسان جاهل بالذات وعالم بالكسب. «إن هذه الفصول الستة تشغل 12 صفحة من المجلد الثاني: 364-376.» (ح)
في الباب السادس، بعد فصل علم الكلام:
فصل في كشف الغطاء عن المتشابه في الكتاب والسنة، وما حدث لأجل ذلك في طوائف السنة والمبتدعة من الاعتقادات (المجلد الثالث، ص44-59). (ط)
في الباب نفسه، بعد الفصل الذي يقرر «أن كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل»:
فصل في المقاصد التي ينبغي اعتمادها بالتأليف وإلغاء ما سواها (المجلد الثالث، ص241-248). (ي)
في الباب المذكور، بعد الفصل القائل «إن حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم»:
فصل في أن العجمة إذا سبقت إلى اللسان قصرت بصاحبها في تحصيل العلوم عن أهل اللسان العربي (المجلد الثالث، ص274-278). (ك)
في الباب السادس أيضا، بعد الفصل القائل: «إن حصول ملكة الشعر بكثرة الحفظ»:
فصل في بيان المطبوع من الكلام والمصنوع، وكيفية جودة المصنوع وقصوره (المجلد الثالث، ص351-357). •••
هذا ومما يجب الانتباه إليه أن طبعة باريس تحتوي على فقرات كثيرة - زيادة على الفصول الآنفة الذكر - لا توجد في الطبعات المصرية والبيروتية.
أهم هذه الفقرات تقع في فصول الخط، والتصوف، والسيمياء، واللغة.
كما أن فصل الحديث في طبعة باريس يختلف اختلافا كليا عما هو معروف في الطبعات المذكورة، من حيث التفصيل من جهة، ومن حيث الترتيب من جهة أخرى.
| تاريخ كتابة المقدمة
1
متى وأين، وكيف كتب ابن خلدون مقدمته المشهورة؟
إن أجوبة ذلك مسطورة في بعض الفقرات التي كتبها المؤلف بنفسه، أولا في آخر المقدمة، وثانيا في ترجمة حياته الملحقة بالتاريخ.
قال ابن خلدون في آخر الكتاب الأول ما يلي: «أتممت هذا الجزء بالوضع والتأليف، قبل التنقيح والتهذيب، في مدة خمسة أشهر، آخرها منتصف عام تسعة وسبعين وسبعمائة، ثم نقحته بعد ذلك وهذبته، وألحقت به تواريخ الأمم، كما ذكرت في أوله، وشرحته» (ص588).