تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما كتب في ترجمة حياته عندما شرح إقامته عند أولاد عريف في قلعة ابن سلامة: «فأقمت بها أربعة أعوام متخليا عن الشواغل، وشرعت في تأليف هذا الكتاب، وأنا مقيم بها، وأكملت المقدمة على هذا النحو الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة، فسالت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر، حتى امتخضت زبدتها وتألفت نتائجها» (التاريخ، ج7، ص445).

يفهم من ذلك بصراحة تامة أن ابن خلدون كتب المقدمة سنة 1377 ميلادية (779 هجرية)، عندما كان يعيش معتزلا في قلعة ابن سلامة في مدة خمسة أشهر تقريبا.

في ذلك التاريخ كان قد بلغ ابن خلدون السنة الخامسة والأربعين من عمره، وكان قد اعتزل الحياة السياسية قبل ثلاث سنوات، بعد أن خاض غمارها أكثر من عشرين عاما.

ومن المعلوم أن الحياة السياسية التي خاض غمارها ابن خلدون خلال هذه المدة الطويلة، كانت حياة عنيفة مليئة بالمغامرات؛ إنه كان قد تقلب في عدة مناصب سياسية - من كتابة العلامة إلى كتابة السر، فالحجابة أو الوزارة - واشترك في معظم وقائع الدول المغربية، ولعب دورا هاما في عدة انقلابات سياسية، كل ذلك متنقلا بين تونس، وتلمسان، وفاس، وبيسكرة، وغرناطة، في إفريقية والمغرب الأقصى والأندلس. وقد ذاق خلال هذه الحياة السياسية العنيفة الشيء الكثير من لذة الحكم ومرارة التغرب، ومن حلاوة الفوز وخيبة الفشل، حتى إنه لم يبق غريبا عن عذاب السجن أيضا.

ويظهر أن نظره الفاحص الناقد كان يشتغل بشدة خلال هذه الحياة الفعالة، وذهنه الباحث الوقاد كان لا ينفك عن اختزان الملاحظات تلو الملاحظات ولو بصورة لا شعورية. فعندما تهيأ له شيء من هدوء البال واستقرار الحياة في قلعة ابن سلامة بين أحياء بني عريف، وعندما بدأ يكتب «التاريخ»، وتقدم إلى درجة ما في طريق هذا التأليف؛ تفاعلت تلك الملاحظات المخزونة تفاعلا شديدا، انبثقت منه أبحاث المقدمة انبثاقا، وتدفقت منه الآراء والأفكار تدفقا.

فإنني عندما أتأمل فيما كتبه ابن خلدون في هذا الصدد أجزم بأن توصله إلى مجموعة الآراء المبتكرة الكثيرة المسطورة في المقدمة، إنما كان حدث من جراء «تدفق فجائي»، بعد «حدس باطني» و«اختمار لا شعوري»، كما لاحظ ذلك بعض علماء النفس في حياة عدد غير قليل من المفكرين والفنانين، في تاريخ عدد غير يسير من الابتكارات والاكتشافات، ذلك النوع من «التدفق الفجائي» الذي يحمل المفكر على التعجب من نتائج تفكيره»، ويوصله أحيانا إلى النظر إليها على أنها «آراء إلهامية» تصدر عن «قدرة خارجة عن نفسه» كأنها تلقى إليه إلقاء. فأنا أميل إلى الاعتقاد بأن ابن خلدون عندما قال: «أطلعنا الله عليه من غير تعليم أرسطو ولا إفادة موبذان.» وعندما كتب: «ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاما.» ولا سيما عندما قال: «سالت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر.» عندما قال وكتب ذلك وأمثال ذلك لم يكن مسترسلا في طريق التشبيه والمجاز، ولا مستسلما لتداعي الكلمات والتراكيب، بل كان معبرا تعبيرا صحيحا عما كان يشعر به في قرارة نفسه فعلا من جراء طرافة الآراء التي قد توصل إليها بصورة تكاد تكون فجائية.

أقول تكاد تكون فجائية؛ لأنني أعتقد أن تكون وتولد تلك المجموعة الكبيرة من الآراء والملاحظات التي تزدحم بها المقدمة في مدة قصيرة لا تتجاوز الخمسة أشهر، مما يجب أن يعتبر أقرب إلى «الاندفاعات الفجائية» من «التأملات التدريجية».

وقد يتساءل بعضهم: وهل يجوز لنا أن نعتمد على ما كتبه ابن خلدون في هذا الصدد؟ أما أنا فأقول - ردا على هذا السؤال: إنني لا أرى في هذه المسألة ما يبرر الشك في صدق ابن خلدون، فيستوجب عدم الاعتماد على تصريحاته؛ فأولا أنا لا أجد فيما يقصه علينا المؤلف في هذا الصدد أمرا خارقا للعادة وشاذا على وتيرة «اختمار الأفكار بصورة لا شعورية»، كما ألاحظ أن ابن خلدون قد سجل على نفسه - في ترجمة حياته - تقلباته السياسية العديدة بكل تفاصيلها، فلا يحق لنا - والحالة هذه - أن نزعم بأنه كتب ما كتبه عن كيفية تأليف المقدمة بصورة مخالفة لما وقع بقصد التمدح والتفاخر.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٤٩