ونحن نعتقد لذلك أن ترتيب الفصول بهذه الصورة ترتيبا نهائيا - قبل درس نسخ المقدمة درسا وافيا - مما يخالف الأصول العلمية، ومما يشوش الأمر على القراء والباحثين. (5)
ومما تجب ملاحظته هذه الفصول والأبواب، تختلف اختلافا كبيرا من حيث الطول؛ فإن أطول الأبواب هو الباب السادس (الباحث عن العلم والتعليم)، ثم يليه في الطول الباب الثالث (الباحث عن الدول)، فالباب الأول (الباحث عن العمران البشري على الجملة)، فالباب الخامس (الباحث عن الصنائع والمعاش)، فالباب الرابع (الباحث عن الأمصار)، فالباب الثاني (الباحث عن العمران البدوي).
وإذا أحصينا عدد الصحائف المخصصة لكل واحد من الأبواب الستة المذكورة، وقارنا بعضها ببعض؛ وجدنا أن طول الباب السادس يقرب من سبعة أمثال الثاني، كما أن طول الباب الثالث يناهز ستة أمثال الباب المذكور.
وأما الفصول التي تنقسم إليها الأبواب فهي أيضا تختلف اختلافا كبيرا من حيث الطول؛ إن أطول الفصول هو الباحث عن جغرافية الأرض (33 صفحة)، ويليه في الطول الفصل الباحث عن النبوة والكهانة (28 صفحة)، ويأتي بعد ذلك الفصل الباحث عن مراتب السلطان وألقابها (22 صفحة)، فالفصل الباحث عن الفاطمي المنتظر (19 صفحة).
لقد انخدع بعض الكتاب والباحثين بعدد الصحائف المخصصة في المقدمة لكل فصل من الفصول، وظنوا أن ابن خلدون يعزو أهمية كبيرة إلى البيئة الجغرافية، كما زعموا أنه يعتبر الدين من أهم عوامل الاجتماع، في حين أن الحقيقة تخالف هذا الزعم مخالفة كبيرة، كما سنشرح ذلك في فصول خاصة عندما نقدم على تحليل آراء ابن خلدون وشرح نظرياته.
فنحن نرى أن أهمية الفصول في المقدمة لا يجوز أن تقدر بعدد الصحائف المخصصة لها؛ لأن بعض المباحث المسرودة في بعض الفصول ما هي إلا معلومات تمهيدية أو استطرادية، يقصد منها تارة إعطاء بعض المعلومات الممهدة، وطورا بعض المعلومات المتممة؛ بغية إعداد الأذهان لفهم الموضوع في بعض الأحوال، وزيادة المعلومات المتعلقة بالموضوع في أحوال أخرى، ولذلك نجد أن أهمية المباحث المسرودة في الفصول المختلفة لا تتناسب مع أطوالها بوجه من الوجوه.
إن المباحث الاستطرادية أو التمهيدية محتشدة في الدرجة الأولى في الباب السادس، فالباب الأول، فالباب الثالث، وأما الأبواب الثلاثة الأخرى فيقل، بل يندر فيها مثل هذه المباحث التمهيدية أو الاستطرادية.
مثلا الباب الأول، يقع في ثمان وسبعين صفحة، غير أن أكثر من ثلاث أرباع هذه الصحائف مخصصة لمعلومات استطرادية عن تقسيمات الأرض ومسألة النبوة والكهانة.
والباب الثاني يقع في ثلاث وثلاثين صفحة، غير أن الصحائف المذكورة تكاد تكون خالية من المباحث الاستطرادية أو التمهيدية. (6)
يظهر من التفاصيل الآنفة الذكر أن المباحث المدرجة في المقدمة تنقسم إلى نوعين أساسيين:
الأول:
المباحث الأساسية التي تدخل في نطاق أغراض المؤلف الأصلية، فتحوم حول «علم العمران»، و«أسس التاريخ» مباشرة.
والثاني:
المباحث الاستطرادية التي تأتي عرضا، وتستهدف سرد بعض المعلومات العامة تمهيدا للأبحاث الأصلية أو إتماما للفائدة.
إن أبحاث المقدمة مهمة جدا من كلتا الوجهتين:
أولا من وجهة المباحث الأصلية؛ اعتبر بعض الباحثين والكتاب موضوع المقدمة بمثابة «علم التاريخ» أو «فلسفة التاريخ»، واعتقد بعضهم أنها بمثابة «علم الاجتماع» أو فلسفة الاجتماع، «أما أنا فأرى أن كل واحد من هذين الرأيين وجيه من جهة وقاصر من جهة أخرى، وأعتقد بأن أحسن تعبير نستطيع أن نعبر به عن حقيقة المقدمة، هو القول بأنها «مدخل اجتماعي للتاريخ»
Introduction sociologique à l’histoire .
وأما من وجهة المباحث الاستطرادية؛ فإن المقدمة بمثابة موسوعة
Encyclopédie