وليت شعري ما عذرهم في الصور الظاهرة إذا علموا خلافها، والنبي
صلى الله عليه وسلم
يقول في ذلك: «من قضيت له من حق أخيه شيئا، فإنما أقضي له من النار.»
فأبيت في ذلك كله إلا إعطاء العهدة حقها، والوفاء لها ولمن قلدنيها، فأصبح الجميع علي ألبا، ولمن ينادي بالتأفف مني عونا ...» (التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا، ص254-258.)
| القسم الأول: نظرات وملاحظات عامة
| أبحاث المقدمة
(1)
إن الكتاب الذي يعرف الآن باسم «مقدمة ابن خلدون» يتألف في الحقيقة من «المقدمة» و«الكتاب الأول» من تاريخه المسمى «كتاب العبر».
يعنون ابن خلدون الكتاب الأول بالعنوان التالي: «في طبيعة العمران في الخليقة، وما يعرض فيها من البدو والحضر، والتغلب، والكسب، والمعاش، والصنائع، والعلوم، ونحوها، وما لذلك من العلل والأسباب» (ص35).
وبعد ذلك يقسم الكتاب المذكور إلى ستة فصول رئيسية:
الأول:
في العمران البشري على الجملة، وأصنافه، وقسطه من الأرض.
الثاني:
في العمران البدوي، وذكر القبائل والأمم الوحشية.
الثالث:
في الدول والخلافة والملك، وذكر المراتب السلطانية.
الرابع:
في العمران الحضري والبلدان والأمصار.
الخامس:
في الصنائع والمعاش والكسب ووجوهه.
السادس:
في العلوم واكتسابها وتعلمها. (2)
قد قسم ابن خلدون كل واحد من هذه الفصول الرئيسية إلى عدد من المقدمات والفصول.
وبما أنه استعمل كلمة «الفصل» في التقسيمات الرئيسية والتقسيمات المتفرعة منها على حد سواء، كثيرا ما يغلط القراء في تحديد أقسام الكتاب ومباحثه.
ولدفع هذا المحذور لقد سمى المترجم الفرنسي «البارون دو سلان» كل فصل من الفصول الرئيسية المذكورة باسم «القسم»، كما سمت بعض الطبعات العربية - مثل طبعة مصطفى محمد في مصر - كل واحد من هذه الفصول الرئيسية باسم «الباب»، وإن لم تشر إلى أنها فعلت ذلك تسهيلا لمراجعة القراء ودفعا للالتباس، ونحن سنقتفي في هذه الدراسات إثر تلك الطبعات، وسنسمي الفصول الأساسية باسم «الأبواب»، وعندما نضطر إلى ذكر عنوان الفصل بنصه الأصلي سنضيف إليه كلمة «الرئيسي»؛ تمييزا له من الفصول الفرعية. (3)
أما عدد هذه المقدمات والفصول فهو كما يلي:
في الفصل الرئيسي الأول - أي في الباب الأول - ست مقدمات، في الباب الثاني 29 فصلا، في الباب الثالث 53، في الباب الرابع 22، في الباب الخامس 33، في الباب السادس 50 فصلا.
لقد ذكرنا هذه الأعداد بالنسبة إلى طبعة بيروت وطبعة مصطفى محمد المصرية المشتقة منها، غير أن طبعة بولاق تحتوي على فصل زائد على ذلك في الباب السادس، وكذلك طبعة مصطفى فهمي.
وأما طبعة باريس التي كان تولى أمرها المستشرق «كاترمير»، فتحتوي على فصل زائد في الباب الثالث، وعلى عشرة فصول زائدة في الباب السادس.
وبما أن نسخ طبعة باريس نادرة وبعيدة عن متناول أيدي معظم الذين يقرءون المقدمة، سندرج في ذيل هذا البحث فهرستا كاملا لعناوين هذه الفصول الزائدة، كما أننا سنكتب دراسة تحليلية لأحدها، وإجمالا وافيا لبعضها، وسننقل بعضها بنصوصها. (4)
إن بعض الطبعات المتداولة في البلاد العربية - مثل طبعة مصطفى فهمي في مصر القاهرة - وضعت أرقاما بجانب عناوين الفصول؛ تسهيلا للبحث والمراجعة، غير أن بعضها - مثل طبعة بيروت، وطبعة مصطفى محمد في مصر - تجاوزت ذلك إلى ترتيب الفصول ترتيبا عدديا، بقولها: الفصل الأول، الفصل السادس، الفصل الثاني والعشرون، وهلم جرا.
ومما يجب ألا يغرب على البال أن الفصول الفرعية لم تكن مرقمة في أصلها، فالطابع الذي يقدم على ترقيم الفصول وترتيبها بهذه الصورة يتحمل مسئولية معنوية كبيرة؛ لوجود بعض الفصول في بعض النسخ دون غيرها؛ مثلا الفصل القائل بأن «العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري»، يكون أول الفصول من الباب السادس في النسخ التي اعتمدت عليها طبعات البلاد العربية، في حين أنه يكون الفصل السادس في النسخ التي اعتمدت عليها طبعة باريس.