تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الطبيعي أن ابن خلدون حذف هذه العبارات الختامية عندما واصل كتابة ترجمته، وألحق ما كتبه بعد ذلك بما كتبه قبلا.

ومما يلفت النظر أن ابن خلدون في هذا القسم الأخير من كتاباته عاد إلى بعض ما كان كتبه قبلا وزاده تفصيلا.

مثلا إنه كان ذكر توليته التدريس في المدرسة القمحية في القسم الأول من «التعريف» دون تفصيل (ص253)، ولكنه بعدما أقدم على إتمام الترجمة عاد إلى هذه الواقعة، ونقل لنا الخطبة التي كان ألقاها يوم جلوسه للتدريس فيها (ص285-293)، وكذلك دون الخطبة التي أنشأها في مفتتح التدريس في المدرسة الظاهرية (ص286-293)، مع أنه كان تولى التدريس فيها قبل سنة 797 / 1395، كما أنه تكلم عن خطبة الافتتاح التي ألقاها في مدرسة صلغتمش (صرغتمش)، وعاد إلى ذكر توليته منصب القضاء، وتكلم عن تعيينه إلى مشيخة خانقاه بيبرس وعزله منها، وكتب تفاصيل فتنة الناصري التي كانت سببا لهذا العزل، مع أن كل ذلك كان حدث قبل التاريخ الذي اختتم به كتاب التعريف، عندما أرسل نسخة من مؤلفه إلى سلطان المغرب.

ونستطيع أن نقول لهذه الأسباب: إن الخاتمة التي ذكرناها آنفا يجب أن تعتبر بمثابة «الحد الفاصل» بين ما كتبه قبل سنة 797 هجرية، وبين ما كتبه بعدها، لا بين ما حدث قبل ذلك التاريخ وبين ما حدث بعده. •••

هذا ونحن نلاحظ أن الأبحاث المسرودة في القسم الأول أيضا لم تكتب دفعة واحدة، بل كتبت في أوقات مختلفة، كما أن الكتابات الجديدة لم تلحق بالقديمة حسب أوقات كتاباتها، بل إنها أدخلت في بعض الأحيان بين الفقرات والمباحث المكتوبة قبلا.

ولذلك نجد في «التعريف» كثيرا من الأبحاث المتكررة، ونلاحظ أن المؤلف يذكر بعض الأمور في محل، ثم يعود إلى نفس الأمور في محل آخر، ويكررها تارة مع تفصيل، وطورا مع تلخيص.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما جاء في كتاب التعريف عن تراجم بعض العلماء؛ فإن ابن خلدون يدون تراجم أحوال هؤلاء؛ أولا عندما يذكر أسماء الأساتذة الذين درس عليهم، ثم يكرر ترجمة بعضهم بتفصيل أوفى بمناسبة القصيدة التي أنشدها أحد شعراء تونس في حضرة السلطان، ذاكرا فيها أسماء العلماء الذين وفدوا معه، ولذلك نجد أن ترجمة الآبلي - مثلا - مذكورة أولا في ص21-22، ثم في ص33-38، كما نجد ترجمة عبد المهيمن مسطورة أولا في ص20، ثم في ص38-41.

إن أمثال هذه الأبحاث المكررة كثيرة في كتاب «التعريف بابن خلدون». •••

وأما من حيث المواضع، فنحن نلاحظ أن كتاب «التعريف بابن خلدون» لا يكتفي بتدوين ترجمة حياته، بل إنه يجمع ويسجل كثيرا من الوثائق والمعلومات التاريخية والأدبية أيضا، ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن المعلومات التاريخية والوثائق الأدبية المدونة فيه تشغل حيزا أوسع بكثير من الذي تشغلها الأمور المتعلقة بترجمة حال المؤلف مباشرة.

مثلا عندما يذكر ابن خلدون - في كتاب التعريف - أسماء العلماء الذين درس عليهم أو التقى بهم، يكتب تراجم أحوال كل واحد منهم بتفصيل، من ذكر محل تولدهم إلى تثبيت تاريخ وفاتهم، حتى إنه يذكر كثيرا من الوقائع التاريخية التي تأثروا منها أو أثروا فيها.

وعندما يذكر بعض الوقائع التاريخية التي اشترك فيها هو أو اتصل بها بصورة من الصور يفصل تلك الوقائع تفصيلا وافيا، يشمل أولياتهم البعيدة إذا لم يكن قد كتب عنها في فصل من فصول كتاب العبر نفسه.

ولهذا السبب يجد الباحث بين صحائف كتاب التعريف كثيرا من الأبحاث التاريخية.

وفضلا عن ذلك فإن «التعريف» يضم عددا غير قليل من الوثائق الأدبية أيضا؛ لأن ابن خلدون يدون في هذا الكتاب بعض الرسائل التي تلقاها من أصحابه بنصوصها الكاملة، كما يذكر بمناسبات عديدة طائفة من أشعارهم وقصائدهم أيضا.

يتضمن كتاب «التعريف» نصوص عدة خطابات صادرة عن قلم لسان الدين ابن الخطيب، وخطابا واردا من ابن زمرك كاتب سر السلطان ابن الأحمر، وآخر من علي بن البني قاضي الجماعة في غرناطة، كما أنه يتضمن بعض الخطابات الرسمية أيضا؛ منها الخطاب العام الموجه من سلطان غرناطة إلى عماله لتسهيل سفر ابن خلدون خلال عودته من الأندلس إلى بجاية، ومنها الخطاب الذي أرسله سلطان مصر إلى سلطان تونس، ملتمسا تسفير عائلة ابن خلدون إلى القاهرة.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٤٣